منذ الصباح يشعر بالغثيان، لم يذق شيئا. حاول النوم عدة مرات. الفكرة مطرقة تدق رأسه كل لحظة كأنها مسمار جديد يفتت عضده، قال في نفسه: «لماذا اخترتُ هذا الطريق؟ هناك ألف جهة ولم تشأ إلا هذا الاتجاه؟»
ضرب وجهه ورأسه في حركة لولبية عدة مرات: غبي أنا –غبي- أستحق كل هذا الهراء وهذا السهر الأحمق. حطم ما أمامه من كؤوس، صرخ بأعلى صوته، وقع على الأرض مرددا: «لماذا؟ لماذا؟» توجع. تلوى مثل أفعوان أسود.
هطلت الذكريات كمطر أبريل، انشق صدره، رآها ترقص بفستانها الفاتن، أحمر براق، شفتان مثل كوة هضبة تشققتا انتفاخا، لماذا كل هذه الذكريات تتوارد دون رحمة.
غط في نوم عميق، انفتحت النافذة. تسرب عطر شفاف، توقفت الساعة، يد بيضاء امتدت بكل هدوء. تحسست جسده النحيل، أمسكت بيده، عصرتها بشدة، أحس بنفس دافئ يتدفق على جسده، انتفض فجأة. هرب الطيف، أُقْفِلتْ النافذةُ، اشتعل الضوء. قال في نفسه وهو يستعيد نفسه ببطء: «ما هذا؟ ما الذي يحدث؟»
وجد نفسه ملقى على الأرض بينه وبين السرير بضع خطوات. اتجه نحو سريره حبوا، شد أطرافه وهو يجاهد النعاس. نسي كل شيء، غاب عن الوعي. أصوات الحيوانات المتداخلة تكاد تقتحم المكان، قهقهة امرأة لا تكف عن الضحك. همهمة في جهة ما. طفل يصرخ دون توقف.
تقلب يمنة ويسرة. توقفت الأحداث. انطفأ النور، دُفع الباب بشدة، امرأة تمسح كلتا يديها بعطر ينتشر في كل الأركان، على جسده وبين شحمتي أذنيه، تردف كلمات ساخطة، تدفعه فيبتعد قليلا، تتمدد على السرير وهي تحسب سعر أشياء قد اشترتها، كانت تردد أن النقود قليلة، رأى نفسه يسحب من جيب سرواله مبلغا، يدفع به إليها جهة اليمين. الطيف الأبيض أخذ المال.
فتح الباب، اختفت الأصوات، ضجيج الأطفال ابتعد، القطة النائمة بالقرب من عتبة الدار، قفزت واختفت. الهواء البارد تسرب بعطر يحطم كل شيء تسلل نحو روحه، انتفض جالسا، شعر بقشعريرة ما تسري في بدنه. أدرك أنه كان في حلم؛ أدخل يده في جيبه، فجأة، لم يجد الخمسمائة دينار.
تسارعت ضربات قلبه، القطة بمخالبها تحاول الإمساك بزجاج النافذة- فتش في أنحاء الغرفة، فوق السرير، تحته. في الدولاب المتهالك، بحث في أرجاء ومكونات الشقة الصغيرة، القطة ما زالت تستشيط غضبا وهي تركز النظر في وجهه، ظهرت أنيابها. رآها. كاد أن يوقع بها، لكنه تذكر الرأفة بالحيوان. كانت بيضاء. تشبهها تماما، عيناها يختزلان المكر والدهاء والــمجون.
قعد على أقرب كرسي، أراد أن يستعيد الأحداث: خرجتُ صباحا، متجها نحو البنك، قبضتُ المال، عدتُ أدراجي. هذه المرة لم تكن العودة من نفس المكان، وقفت أمام بيتها. لم أكن أعلم أنها ما زالت تقطنه، رأيتها ترمقني من أعلى النافذة، لوحت بيدها، مرسلة قبلتها.
أحسستُ بالقلق. لقد طلقتها لأتخلص منها، ما الذي يدعوني اليوم للوقوف أمام منزلها، كانت تعلم جيدا أنه موعد تسلم النقود. إنها حية. حين همّت بفتح النافذة، قفزت قطتها البيضاء، بينما تجاهلتها تماما مكملا طريقي نحو التشتت.
جلدت ذاتي عشرين مرة في الدقيقة الواحدة. وقبل أن أقطع الطريق المحاذي شممت عطرها، أردت العودة. ثمة هاجس يقول لي لا تفعل. الطرقات والجسور من حولي مثل نقطة التقاء أولى، كان أول يوم رأيتها فيه تحت جسر المدينة القديمة، فاتنة قاهرة مذلة. وجهها مثل الشمس لا شيء يعيبه، اليوم هي ببزة شيطان مريد، تشبه الأفعى الراقصة. تسحر العيون، وتنقض دفعة واحدة في جيوبهم لتلتهم كل ما فيها.
كانت كل الأسئلة حائرة معلقة متجسدة عارية تتأرجح أمامي لا يخلو منها رأسي. ولكن أين نقودي؟ كيف تسربت من جيبي؟ وما شأن قطتها عند عتبة بيتي؟
في الطريق الموازي، عرجت بي ساقاي نحو مرتفع كنا نجلس عليه عند كل عشية من عشيات ماي الدافئة، كان هناك التفاف كبير، الكبار والصغار يتصارخون ويصفرون، صوت «المقرونة» يستفز الأفعى ذات اللون الفيروزي، شققت الطريق نحوه لأمسك بالمزمار، قلت له: «هل تعيرني هذه الليلة». هز رأسه بالموافقة.
كانت ليلة شاخصة. قلبته، نظرت فيه مليا. ما عساي أن أفعل به؟ راودتني أفكار ساخنة سخية. وضعته تحت وسادتي، كان صوت المقرون يملأ المكان، فجأة رأيتها ترقص وتصفق. وتنحني عليّ، القطة البيضاء تحاول استفزازها، تمسك بساقها البيضاء الممتلئة، توقفت المقرونة، سقطت مغشيا عليها، القطة تموء مثل امرأة تعاني المخاض.
اقتربت منها: كان اسمها هفوة. حين ولدت أطلق جدها عليها هذا الاسم عقابا لأمها التي تركتها بعمر نصف اليوم متنكرة لأبيها. رباها الجد وأسقط عليها هذا الاسم انتقاما، وجئت أنا لأتحمل تبعات هذه الهفوة، فعشت في مد وجزر. بين فراق ولقاء. سعادة وجفاء، أجمع ليلي ونهاري حتى أرضيها بحفنة من مال كي «ترقص دون توقف» ويهتز قلبي ولا يهدأ. تشبه أفعى الجرار، وأنا مروضها.
هذه الليلة أشبه بأول ليلة حين وجدتها في مخدعي، تدعي البكاء، وثيابها البيضاء الشفافة، وقطتها المدللة ترمقني بفتور، ترنحت قليلا. ادّعيتُ أن هناك شيئا ما تحت الوسادة. أخذت المزمار وفتحت فم الجرة الكبيرة، قلت لها بحميمية: «ارقصي لي هذه الليلة، ستعودين لي حبيبة لا تكف عن الرقص والتهام الأموال».
شعرت بسعادتها، تثنى جسدها كجِنِّية صغيرة. تناثر شعرها على أنحاء جسدها، ما زلتُ أبتعد وأقترب «بالمقرونة»، وهي تحلق حولي. تتساقط هنا وهناك. تضحك وتقهقه. ثم تبكي وتنكفئ. لم أشأ أن أتوقف. يجب أن تدخل الجرة. هيا هيا. ها قد اقتربت. اقتربي أكثر. أكثر. اقفزي. اقفزي. وأنت أيتها القطة البيضاء.
كان فمي ممسكا بالمزمار، وقلبي يتحدث: «هيا تعاليْ. اقتربي أكثر». ترنحت، وقعت. وقفتْ كعمود شفاف فوق فوهة الجرة، ارتسمت أنوثة صارخة. كادت أن تسقط «المقرونة» وكدت أهيم في جمالها، وقعتْ في الجرة الكبيرة، تبعتها القطة. تبعها قلبي، أغلقتها بسرعة. دفعتها.
أحضرت السيارة. أسرعتُ نحو مروض الأفاعي، سلمته المقرونة والجرة الضخمة ومعها حفنة من مال. هرعت نحو اللامكان. تخلصت من كل الكوابيس. فتحت الشرفة القديمة؛ كانت الرسائل كلها بلغة واحدة: «أحبك. متى أراك اليوم تحت الجسر القديم؟ معا عند مروض الأفاعي. هناك يبيعون الشعر. دعنا نستلف قصيدة ونغني».