قراءات

هبوط اضطراري

صالةٌ واسعةٌ في طابقٍ علويِ , لها نوافذ طولية تمتد من الأرض إلى السقف , شرع بِفتح إحداها وقد ارتسمت على وجهه آيات الشعور بالثقة والاطمئنان وهو في طريقه لتلك المغادرة الغريبة التي يبدو أنه معتاد عليها , استدار ناحيتي ماداً يده وصافحني وعلى وجهه ابتسامة واسعة , وقف على الحافة وظهره للخارج ثم ترك نفسه يسقط للخلف سقوطاً حراً , الغريب أني لم أفزع أو أنزعج كأن ذلك كان أمراً عادياً , تقدمت نحو النافذة وألقيت نظرة للأسفل فرأيته يهبط في هدوء وقد اتخذ وضعية من يجلس على كرسي ليس له وجود , ذكّرني وضعه ليديه فوق ركبتيه , بصورة طيار حربي قذف بكرسيه خارج طائرة محترقة إنقاذاً لحياته.
بعد برهه قصيرة غيّر اتجاههُ في انسيابيةٍ تامةٍ لينزلق داخلاً إلى الطابق السفليّ , الآن لم يعد بمقدوري رؤيته من حيث أقف , لست أدري ما الذي قام بدفعهُ للداخل , ربما كان تيار الهواء الساخن الذي يندفع إلى هذا الاتجاه في أيام القيظ هو السبب , أو أنّ هناك قوى خفية تقوم بهذا العمل , ممسكا بإطار النافذة – خشية السقوط – انحنيت بشدة في محاولة مستميتة لرؤية موضع هبوطه , باءت محاولتي بالفشل , في الأسفل .. ليس ثمة صوت ولا دليل على نجاح عملية الهبوط أو فشلها , أقنعت نفسي أنّ السكون الذي يعتري المكان هو علامة على هبوطهِ بسلام.
أحدّق بنظري للأسفل تماماً , هناك .. في القاع , أستطيع رؤية سور الفناء الصغير الذي يحيط بالمبني , يبدو المنظر معتماً بعض الشيء , بكل تأكيد لم يهبط صديقي في هذا المكان فقد رأيته وهو ينحرف عنه , ليس ثمة مايدعو أيضاً إلى الاعتقاد أنّه مكان يصلح لهبوط آمن .
أفكر في كيفية خروجي من هذا الطابق بعد انتهاء مهمتي الضبابية , أتراني سأهبط مثله في هدوء , أم أنّ حادثاً مأساوياً سيكون بانتظاري , بمرور الوقت , صار الأمر يقلقني بشدة , لم لا توجد وسيلة أخرى للخروج من هذا الطابق سوى تلك القفزة إلى المجهول! أتعجب وأدور أبحث حولي دون جدوى !.
رغم عدم إدراكي لكيفية وصولي إلى هذا المكان , إلا أنه من الجليّ أنّ الوسيلة الوحيدة للوصول إليه هي بالنزول من طابق أعلى منه , ألمح من بعيد زوجتي وأولادي معي في نفس الطابق , لم أعرهم إهتماماً كبيراً , مع ذلك شعرت بضرورة .. بل بأنّه من الواجب عليّ – رغم صعوبة الأمر – وداعهم قبل اقتفاء أثر صديقي , أتراهم سيقتنعون بتلك الطريقة الغريبة للمغادرة ويسمحون لي باستعمالها , أم سيمنعونني من ذلك فزعاً من نتائجها غير المضمونة.
أخذت أفكّر في الوسيلة التي سمحت لصديقي بذلك الهبوط الآمن, ربما كان بالأسفل في ذلك المكان – الذي لا يمكنني رؤيته – أكياس مليئة بالقطن أو القش يسقط عليها من يبتغي المغادرة فلا يصيبه أذى , تخيلت ملابسه وقد التصق بها القش فاصبحت بحال يرثي لها , بالتأكيد سيصبح تنظيفها من الصعوبة بمكان , أميل للإعتقاد بوجود أكياس هوائيّة منفوخة كتلك التي يلعب عليها الأطفال في الملاهي أو التي تستخدم في حالة الهبوط الاضطراري للطائرات لينزلق عليها الركاب كي يهبطوا إلى الأرض بسلام.
أعلم أني قد جئت لمعاملةٍ ماليّةٍ ما في هذا الطابق الغريب , الذي يفرض على من يريد مغادرته أن يقوم بتلك القفزة الرهيبة , وسط ذلك الجو البائس والهموم التي تكتنفني من كل جانب , وقنوطي من الحصول على وسيلة هبوط مأمونة , اشتد بي الكرب , وأوشك عقلي على الانفجار , وشلّت الرهبة تفكيري تماماً! وهنا … أنقذتني مثانتي التي كادت أن تنفجر هي الأخري جرّاء تجرّع كميةً هائلةً من السوائل قبل النوم.
اليوم … وبينما الخادمة تنظف السلالم الداخلية للفيلا , صاحت تحذرني من خطورة نزولي الآن وهي مازالت رطبة!. للأسف … جاء التحذير متأخراً قليلاً , انزلقت على ظهري ثم غيّرت اتجاهي ليصبح وجهي ويداي الى الأمام متخذاً وضعية ممارسي رياضة السقوط الحر في الهواء حتى نهاية السلالم.
للأسف لم يكن هبوطي آمنا كهبوط صديقي.

السابق
قراءة في نص “كل الكلام”
التالي
قراءة نقدية في نص “هبوط اضطراري”

اترك تعليقاً