أصيل أدرار بلون الجدران المحمرة حمرة الذبيح و بإيقاع الشمس النازلة طيلة السنة على شقوق القلب النابت بين الصخور كنبتة برية تبحث عن التنفس ،دنيا نفس الرئة المكومة في إعصار الزمن الذي لم يمنحها سوى الموت.
تتجه جهة المبنى تعتليك الدهشة والغبطة المبهمة ، دارت في مخيلتك أبعاد اللقاء الذي سوف تدغر فيه نصل الغربة والغياب لابد أن رسالتك التي بعثتها لها في تلك الصائفة قد حركت فيها براكن الثلج النائمة، كيف لا وهي تدعوك بعد الذي حدث منك ومن أمك إليها رغم انقطاع تيار القلب والأمكنة بينكما.
حَدَقتْ في عينيك وهي تريح ظهرها على جدار المبنى ، تلمست أصابعك بعد أن سعلت سعلة هزت جسدها الهزيل ، أحسست لحظتها بتكوم دمع الوجع في محجريها ، أرادتك أن تضمها لكنك سَمرّتَ وجهك في وجهها ورحت تسألها عن صحتها لكنها لم تجيبك بقيت ملصقة عينيّها في عينيك وغيم الأنين يتكتل في حدقاتها ،فجأة قالت لك وهي تضغط على أصابع قلبك
ـ أريدك أن تأخذني إلى بيتك.
أدرت رأسك عنها كأنك لم تسمع عبارتها تلك، وحينما أعادتها نكست رأسك ثم رفعته وأن تجيبها
ـ ولكن ليس اليوم يا حبيبتي.
جذبت يدها من يدك لتوقف حبات الدمع التي انزلقت ساخنة من محجريها فاتحة في أعماقك شرخا بعبارتها وهي تنسحب بين ناظريك لتدخل في كُمِ المبنى
ـ غدا سأسافر إلى العاصمة وربما لن نلتقي بعد اليوم.
قلت في نفسك تسعون يوم وأنا منفي ومبعد عنها في مدينتي الباردة، وحينما ألتقيها أجد نفسي عاجزا عن منحها شيئا ترغب به.، أحسست وهي تغادرك بانهيار المباني داخل شوارع أعماقك لهذا رحت تضع ظهرك على حائط المبنى مستعيدا لحظات رحيلك بعد أن أخذت عطلتك الصيفية مرغما ولو كان لك الخيار لحرثت كبعير البدو في رمل الوظيفة كي تجعل لجموحك سببا لتبقى تراقبها كحنش سري في ذهابها وإيابها من مكانك ذاك بمقهى الريح.
رحلت يومها بأجنحة مكسورة وبقلب محسور،تتقاذفك وساوس الفَطّمْ، هبت في رأسك أعاصير الرمل وأنت تعبر أرض (تنزروفت) وحيدا، قلت لها بأنك قررت أن تنهي علاقتك بها وأن تنسى مشروع السفر معك إلى الخليج ، كان قلبك يقف على خط الحياد وهو يبصر صوت أمك يخرج من رحم الروح وهو يدعوك لفك الارتباط بها، بقيت لحظتها جامدا يغيبك صدى الصوت وأنت تنهي تلك المكالمة ، لم تعرف اتجاهك وخطاك تعبر رصيف المجمع ، أخذك القبلي فلم تعرف أي طريق ستسلكه في هذه المدينة التي لم يعد يربطك أي شيء بها ولا بهذا الوطن غير ما تحمله في ذاكرتك عن تلك الأم التي تحمل وجها محروثا بوشم الزمن البائس ، كنت مربوطا برباط أمك السُرّي وأنت لا تدري، تبصرها كلما تأوهت وهي تحدثك عن غربتها كلما رأتك متكوما في ركن غرفتك ،قبل أن تعرف أباك طاعن السن جهة الحدود المغربية، تشد أمك خيمتها وأيدي القبلي تقتلع أوتادها من العمق ، وحينما تغرسها في الأرض تأتي دورية الثوار لتأخذها منها ، تصمت أمك وهي تبتلع أنفاسها فتسمع صدى صوت زوجها الذي كان شديد الحرص وهو يدفع بصوته في مسامات رأسها الصغير
ـ قدمي الخيمة ” للخاوة ” كلما طلبوها…لا تتأخري فخيمتك تخدم الوطن والقضية.
لم تكن لحظتها تعي معنى استرساله ولا عباراته المجلجلة تلك و لا تعرف معنى القضية التي يحدثها عنها زوجها بقناعة ثوري يرى الشمس في المنعطف.
أي شيء هي تذكره الآن !….وأنت وحيدها بعد أن رحل طاعن السن بعدما قتله جنون الشك ،غير صوت زوجها حينما كان يربط حزامه في تلك الليلات المتباعدة التي كان يعود فيها إليها محملا بخيمتها على بعيره ، يُنْزلُ الخيمة من ظهر البعير ويتجه باحثا عنها في خيمة أبيها ، يصدر حنحناته فتعرف أنه هو ، فتسارع إليه لتبيت ليلتها باضطراب البحر في أحضانه، يوشوش لها في صمت وهو يتحسس الرمل في جسدها وفي يده شيئا من جوارحها وشيئا من الحلم الذي كان يهربه لها كي يشحن قدرتها على مقاومة الخوف والغياب.
ـ سأعوضك عن عذاباتك حينما ننتصر على المستعمر،سوف أسكنك في أحسن بيت في المدينة!.، كانت تلك عبارته التي تمنحها عزاء البرد والغياب الذي جعلها دائمة التشرد بين خيمة أبيها و خيمة عمتها التي كفلت يتمها وهي لازالت لم تعي شيئا من صورة أمها التي ماتت وهي تضعها على الرمل، تدور الليالي على تلك الشاكلة وفي سرها حلم الشمس ينمو كشجرة صفصاف بين ذراعيه ، ولأنها انتظرته كثيرا ليعود لكنه غاب كما غابت خيمتها معه ، وحينما طلعت الشمس في منعطف هذا الوطن بقيت هي دون شمس يكسوها ظلام الغياب بسرمده و تدثرها وشوشاته التي لم يبقى منها غير الصدى، إلى أن جاء ذاك اليوم الذي دحرجها فيه والدها إلى طاعن السن هذا الذي أسميه والدي بمقايضة مريبة.، كان طاعن السن وقتها تاجر ثري يعبر ببعيره من الحدود إلى الحدود ينقل كل شيء ويتاجر في كل شيء وكان يومها جدي يعيش فقرا مدقعا بعد أن أجبرته الحرب بقنابلها أن يغادر تراب وطنه ليدخل تراب وطن أخر بعدما فقد كل شيء ، دخل التراب المغربي عاريا يجر قبيلته التي التحق كل رجالها بجبهة القتال، حينها صادف نزول طاعن السن بقافلته المحملة بالدقيق والألبسة وحتى السلاح على مقربة من الحدود، بجوار المكان الذي أقرته جبهة التحرير لجدي كي ينزل فيه ، هناك أبصر طاعن السن جوع القبيلة وعراءها فمنح بعيرين محملين بالدقيق و الألبسة لجدي ورحل متابعا طريقه عابرا الحدود ، من يومها لم نره تقول أمي حتى وجده جدك في سوق المدينة يوما بلا شيء ، عاريا لا يملك سوى عباءته و برنوسه ،أخذه ضيفا عندنا بعد أن أقرضه مالا ليعود للممارسة التجارة ، بعدها قدمني له جدك لأصبح زوجته،مات جدك وانحصرت تجارة والدك ليصبح من يومها كالمجنون
لم يكن والدك بهذه القسوة التي تراها اليوم فيه ، كان رجلا حنونا أحبني بكل ما يملك من أحاسيس لكنه كان هشا ومسكونا بنوبات الجنون التي كانت تصيبه على فترات جراء التعذيب الذي لقيه من فرنسا ، لقد حكى لي أنه حينما منح جدك البعيرين المحملين وقطع الحدود في تلك الليلة وجد قافلته محاصرة بين نيران الثوار ونيران فرنسا وقد قتل رجاله كلهم وقبضت فرنسا عليه وآخذته وعذبته ولم يخرج من سجونها حتى طلعت شمس هذا الوطن .
تدفعك شمس (أدرار) الحارقة إلى حافة الانفجار، يفيض فيك وجع الحنين فتتململ على جمر الرؤية والحلم، ينتابك الانقباض و التصدع فتبصر وجهها في مراياي المبنى وهو يحاورك عن وجع العشق ، يمد أصابعه إليك كي ترافقه في رحلة الليل السرمدي كي تشد عنقك لسقف الغرفة ،تتعثر فيك روح التقلص فلا تقوى على مشاهدة طيفك وهو يمرر حبل الإنعتاق على عنقها الصغير ، تنفتح في مخيلتك عيون أمك الساكنة في ركن الحزن وهي تبكيك، تختلط في وريدك غازات الحزن على فتاتك وهي تركض على شفرة جرحها العضال وأنت لازلت لا تعرف لما لم تُرِدّ اصطحابها معك لبيتك ، تدور بك الأرض فينفلت منك خيط المخيلة ،تُصْعقُ فجأة كأنما صعقك عفريت من عفاريت (تنزروفت) فتتكوم في جلدك كطفل أرعبه مارد وهو يعبث بمصباح علاء الدين، حينها قالتها لك بعد الغياب الطويل بهمس الجرح وهي ترد على مكالمتك
ـ لقد كنت مريضة طيلة غيابك، وقد أجريت سلسلة تحاليل أثبت أنني مصابة بداء عضال.
ترن فيك أجراس الدم و تَخِرُ ذاكرتك على ركبتيها و يغيب عنك الكلام ، لم تعرف كيف تجيبها ، ولا كيف تجيب أمك ،فرحت تذرع غرفتك ذهابا وإيابا ،وأمك تبصرك من طرفي حاجبيها كاتمة الكلام ، كنت حزينا وعابسا لا ملامح توحي بأنك معها حتى تسلل التعب لمفاصلك حينها توقفت في الركن وانحدرت بظهرك على الحائط ، درت جهة أمك طالبا منها أن تناولك كراسة مذكراتك، سحبتها من يدها وأخرجت قلمك ، فأحسست أنك في لج العاصفة تذروك رياح القبلي وتكورك عاريا في صحراء تنزروفت ، أدرت وجهك تبحث عن ظل لكنك لم تجد شيئا سوى الكتابة إليها والسفر عبر ممرات البياض الملغم ،تحط العبارة فتدميك حروف التوقف وعلامات الاستفهام، تشعر بدوي الدم المنفجر من وريدك ،تزداد ضربات القلب في صدرك ، تحاول تدوير رأسك جهة المبنى يبادرك التردد ويستحيل فيك التراجع فتتقدم خطوة ،تزيد أخرى لتجد نفسك وجها لوجه أمام باب المبنى، تسأل البواب اللعين الذي يذوب في قعر المدخل كلما رآك ليعود إليك معتذرا بأنها غادرت العمل مبكرا هذا اليوم، تشعر بطعنة المكيدة، تتخللك شروخ الاستفهام،فتقفل راجعا وأنت تحاول إقناع نفسك بأن هذا الملعون لربما يكون صادقا هذه المرة!
أنت تعرف مدى كرهها له….
لا بد انه يشك في علاقتك بها ، يرمقك بازدراء الزميت الممسوس في شرفه ، تحرك مفاصلك دافعا الخطوة باتجاه الشارع المفتوح على سوق( بودا) تتعرج ليغيبك طريق الأربعمائة مسكن وجهتك منزلها تقترب خطاك فتشعر وأنت تبصر أناسا ينصبون خيمة العزاء بالقرب من بيتها فينصعق جسدك على رصيف العاصفة بين نقاط الخيبة وفواصل السؤال يموت الحلم الذي كورته في غفلة المدينة حين باغتك الحب وباغتتك أمك بحزنها ،فتتسرب من منافذ روحك الجريحة لحظة بوحك لها
شدك سؤالها وهي تحاورك في المبنى
ـ أريدك أن تأخذني إلى بيتك؟
تقوس حاجبيك والدمع ينفطر من عقد محجريك مفجرا نبضك و أنت تسقط على رصيف حزنك و في ذاكرتك صوت النواح الخارج من بيتها.

ـ تنزروفت : صحراء في الحدود الجزائرية المالية وهي أرض العطش والموت.