للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة النقدية

يقول كابريال كارسيا ماركيز في إحدى وصاياه عن الكتابة : “ينبغي أن نبدأ بإرادة أن ما نكتبه هو أفضل ما كتب على الإطلاق ، فشيء ما من هذه الإرادة سيبقى في النهاية “.
أعتقد أن القاص الساعدي ، يحفظ وصية كارسيا ماركيز عن ظهر قلب ،فهو في قرارة نفسه يكتب الأفضل على الإطلاق ، وفي النهاية يبقى له من هذه الإرادة شيء ما يجعل نصوصه مميزة جدا . وأنا هنا في هذه المقاربة النقدية سأرافق القاص الساعدي في رحلتي مع نصه (ارتعاشة آخر ليلة ) كقاريء وهاو لكتابة القصة القصيرة وليس كناقد محكوم بمجموعة من المعايير والمقاييس النقدية التي لا يجب أن أحيد عنها ، سأنطلق في دراسة هذا النص من خلال رؤى تكاد تكون شخصية صرفة تغلب عليها وجهة نظري الخاصة ، لقد عودنا الأستاذ الساعدي على أن يقفز على المنطق ، ويقوم بكسرتركيب اللغة العادية المباشرة ، لخلق نوع من الغرائبية والعجائبية و التي غالبا ما تبتدئ من اللغة قبل الحدث . حتما ستجلب الإدهاش والاندهاش إلى حد الانبهار للمتلقي، وهذا التكسير لا يمس القواعد النحوية التي تظل سليمة من حيث المواقع الإعرابية وجغرافية الكلام بصفة عامة ، وإنما من حيث النسق اللغوي في كيفية تركيب وإسناد مفرداته بعضها إلى بعض ، أو بعبارة أخرى كيفية ترتيب هذا الصيرفي(القاص) لجواهره في عقده الذي سيزين به هامة قرائه ، سبق أن ناقشت في نصين للقاص الساعدي ظاهرة بلاغة الغموض ، باعتبارها من الخصائص والسمات الأساسية في النصوص السردية الناجحة وسبق أن قلت إنه يستعمل الانزياح بحرفية رائعة جدا تجعل القاريء أكثر انجذابا كالنخلة تنجذب إلى مصدر الرحيق ، وأكثر تمسكا بتلابيب النص.
من عنوان النص نهج الكاتب نهج الانزياح الى آخر جملة في قفلته . لست هنا بصدد دراسة النص بتفصيل بقدر ما أريد التركيز على بعض خصائص ومقومات الغرائبية في الكتابة السردية في نصوص الساعدي بصفة عامة . والذي يقرأ للاستاذ الساعدي يلاحظ ان هذه الغرابة في اللغة تختلف عن بعض الكتابات السردية التي تبالغ في توظيف المحسنات البلاغية المصنوعة صنعا،إذ تصبح مقصودة لذاتها فنخرج من باب التعبير بالطبع إلى باب التعبير بالتكلف و الصنعة وهذا ينفر المتلقي ، ويجعله يتوقف عن القراءة وهو في منتصف النص، لأن هذه المحسنات البديعية المبالغ في توظيفها تؤدي إلى الترهل والإسهاب المجاني وقد قال كارسيا ماركيز :” هناك فرق بين أن تكتب قصة طويلة وقصة مسهبة “. فبلاغة الغموض في النص السردي مثلها مثل جرعة الدواء إذا تجاوزت القدر المسموح به تحولت إلى عيب من عيوب الكتابة ، فتصبح (ماكياجا على مخاط ) أو كما نقول في المثل الشعبي المغربي ( لعكر على لخنونة ) . أقول بقدر ما يكون الانزياح ضروريا في النصوص ويكون محمودا بقدر ما يكون مذموما إذا تجاوز التوظيف الذي يضفي الرونق والجمال على بنية النص وتجعله مقبولا من طرف المتلقي المقصود بعملية الإبداع برمتها.فالقبول ليس بالأمر الهين كما نتصوره .
نجاح القاص الساعدي في استعماله لبلاغة الغموض وإن كان يبالغ في ذلك يعود إلى الأسباب التالية : إن هذا التوظيف ليس اعتباطيا بإمكانه إثقال كاهل النص وإنما يقوم بتكسير البنية المألوفة للغة ، عن طريق إسناد الوحدات اللغوية إلى بعضها البعض فينحى في ذلك منحى جنون اللغة كما يقول نيتشه ” اللغة نوع من الجنون العذب ،فعند الحديث بها يرقص الإنسان فوق الأشياء ، ” هذا التكسير لبنية الجملة يخلخل المنطق ، من خلال البراعة في النظم .
يحلق الساعدي بقاريء ( ارتعاشة آخر ليلة ) انطلاقا من العنوان حيث تثير كلمة ارتعاشة الكثير من التساؤلات في ذهن القاريء ،فأي ارتعاشة يقصد الكاتب ؟! ثم يستهل النص ( يرتجف المدى ) ويستمر في عالم الانزياح والتلاعب باللغة ،عن طريق هذا الإسناد الذي يخلق نوعا من الغرابة اللغوية التي تثير في ذهن القاريء الكثير من التساؤلات عن مدلولات هذه التعابير اللغوية التي تجعلك تقف طويلا لفهم ما يقصده الكاتب ، فتضطر إلى التأمل والتأويل ولكن هذا يحسب للكاتب ما دامت خاصية النص الأساسية هي الانفتاح على تعدد القراءات ، وتنتهي القصة لكن الساعدي يأبى أن ينزلك أرضا لأنه مولوع بالتحليق حيث يختم نصه بجملة في قمة الانزياح (يلهث بخطواته إلى روحه) و(شطر آخر يعاني من ثقل الانتظار ) هذه نماذج فقط لغرابة اللغة عند الساعدي فقد أحصيت جمل النص من أوله إلى آخره ولم أجد جملة واحدة لا تحتاج إلى تأويل وتأمل وهذه خاصية من خصائص الكتابة عند الاستاذ الساعدي إذ يجعل نصوصه تتميز بنكهة خاصة و بطابع متميز على مستوى التوظيف اللغوي.
فإذا كان القاص يستهدف من خلخلة الجملة على مستوى الإسناد خلق نوع من الإدهاش والفضول لذى القاريء ، فإن الميزتان لا يمكن ان تتحققان إلا من خلال جانبين:
– الجانب الأول : هو غرائبية الحدث ، بالنسبة للحدث نلاحظ أن القاص الساعدي في أغلب نصوصه ينحت أحداثه زمنيا من مرحلة خاصة جدا، وهي فترة عصيبة يشوبها الخوف والقلق ويخيم عليها الموت والدمار بصفة عامة، فالمرحلة ليست عادية فهي في حد ذاتها تغوص في الغرائبية ، يعيش البطل لحظة انشطار ذاتي بين مد الحاضر وجزر الماضي ، فالحاضر يجثم بكل تقله على صدره في غياهب سجون الأسر ومستقبل مفعم بالأمل للقاء الإبن والحبيبة، فالإبن لم يستطع حتى تصوره كيف هي صورته؟! ، أما الماضي فهذا له أيضا ثقله .ففيه حصلت المأساة ، فتخلى مكرها عن الحبيبة والولد .والتحف برودة الزنازن . ربما أحداث في بيئة ومرحلة زمنية كهذه لابد وأن تكون أكثر إدهاشا وغرائبية ،فالجندي الذي يحكي عن المعارك والحروب قد يكون أكثر إدهاشا للمستمع وإثارة لفضوله
-الجانب الثاني: غرائبية اللغة، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك سابقا، فغرائبية اللغة إذن هي كسر ا
المألوف عن طريق التلاعب بطرق (نظم )السياق العام للجملة كما يسميه النقاد القدماء (الجرجاني ) .نجد أن هذا النظم الغرائبي هو الذي تتولد عنه الصور المجازية والاستعارات ، هذه الصور الأشبه بالصورة الشعرية التي تعتمد أساسا على بلاغة الغموض ، والانزياحات ، وأنا هنا أناقش هذه الظاهرة من خلال النصوص التي قرأت للقاص عبد الكريم الساعدي . وسأركز على نص( ارتعاشة آخر ليلة )، فالساعدي ، لايعتمد في غرائبية نصوصه على الأحداث فحسب ، وإنما على غرائبية التراكيب اللغوية التي يستعملها فتحملنا صراحة الى الرقص فوق الأشياء ، أي التحليق فوق الواقع ، وربما تركيزه على الغرائبية في اللغة هي التي تجعله يركز على هذا التكسير لنظام اللغة العادية المألوفة ، فيرفع المتلقي إلى عالم الإبداع بعدما يكون قد تجول به في تلك المساحة المحدودة الثلاثية الأبعاد والتي ينحت فيها شخصياته وعوالمه بكل أبعادها وخصائصها ، فيحقق بذلك الإدهاش أو التأمل أو كليهما معا ، ولعل هذا الإدهاش الذي يخلقه الكاتب في نفس المتلقي هو الذي يسمو به إلى عالم المشاركة الفعالة في صناعة الأحداث وإعادة تشكيل بنية النص من جديد فيحول الكاتب متلقيه إلى قاريء بحس نقدي، لا قارئ مستقبل و مستهلك ما يقدم له عن غير وعي وربما هنا يتحقق إعلان وفاة المؤلف كما يقول (رولان بارت ) .
يكون النص قد انتقل إلى ملكية القاريء يعجنه، يخبزه ، يشكله بطريقته الخاصة ، ويتفاعل معه ،ويعيد صناعته فذلك شأنه ، فيكون الكاتب قد ضرب عصفورين بحجر واحد . من جهة يكون قد حقق متعة القراءة عند القاريء ونجح في صناعة بضاعة يقبل عليها المتلقي بكل جوارحه . ومن جهة اخرى يكون قد قبض عليه وخلق منه القاريء الناقد القادر على إعادة تشكيل مقروءاته وفق نظرته الشخصية ، و وفق خلفيته الثقافية ، فالقبض على القاريء هو أرقى ما يطمح له كل كاتب وفي أي مجال ، سواء في النثر أو الشعر ، أو أي جنس أدبي آخر . يقول كارسيا ماركيز في هذا الصدد :” الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقاريء “. وهذا رأي سديد ويعتبر من أهم وصايا كارسيا ماركيز في الكتابة ، فالإمساك بالقاريء أصبح أمر ا بالغ الصعوبة خصوصا في هذا العصر الذي بدأت فيه القراءة تسير نحو الانقراض ، نظرا لهذا الكم الكبير من الوسائل الإعلامية والمعرفية التي تغزو المجتمعات البشرية المعاصرة .
أما مستوى غرائبية الأحداث، فالملاحظ أن أي كاتب مبدع كيفما كان مستواه المعرفي والإبداعي لا له بد من أن يحيد عن الواقع ،وأن ينحى منحى المماثلة أو المجانسة أو المحاكاة وذلك لخلق الغرائبية التي تثير الإدهاش وتخلق الاندهاش في نفس القاريء ، فبقلمه المبدع يحول تلك الأحداث التي تقع في كل لحظة وحين ، ويعيشها الإنسان عادية كطلوع الشمس وأفول القمر إلى أحداث غريبة عن هؤلاء الذين يعيشونها بالفعل ، وهذا بطبيعة الحال هو بيت القصيد في نجاح الكاتب المبدع في القبض على القاريء ، أما إذا تناول الوقائع والأحداث كما هي في صيغتها الوا قعية ، فلينتظر هذا الكاتب أن القاريء اذا اندهش من طلوع الشمس وأدهشه أفول القمر ، فإن أحداث النص ستدهشه كذلك.
لقد كون كارسيا ماركيز تلك الثروة الخصبة من الخيال الجامح الذي سلب العقول ، وخرج عن حدود الزمان والمكان ، وجعله يتربع على عرش الرواية العالمية هن ذلك الخليط غير المتجانس من الإبداع البشري المتمثل في الأساطير والخرافات والكحايات التي كانت تحكيها له جدته ، حيث اختمرت في ذاكرة ذكية مؤهلة أصلا لنحت أحداث وابطال روايات من العيار الثقيل على المستوى العالمي .
فالقاريء في أمس الحاجة إلى عالم آخر يبعده عن ضغوطات حياته اليومية ومشاكله التي تحاصره من كل جانب ،فعندما يقرأ فإنه يبحث عن المتعة ، والمتعة لن تتأتى له في كتابات كاتب لا يبصر إلا تحت قدميه ، وإنما كاتب يعرف كيف يحلق به تحليق الصقر فوق عوالم مجهولة ليس له بها عهد سابق اذذاك تنتشله نشوة المتعة وجمال القراءة من ذلك الواقع المرير الذي يعيشه ، فالقاريء اذن يكون على وعي بأن الكاتب البارع والمبدع الحقيقي هو الذي قد يلتقط الحدث البسيط فيحوله إلى قصة إبداعية رائعة وذلك بما يضفي عليها من غرائبية في اللغة عن طريق الانزياحات وبلاغة الغموض ، وكسر اللغة العادية المباشرة لخلق الصورة الشعرية الشاعرية ، ويخلق من الأحداث البسيطة عوالم خيالية ترقى إلى حكايات وقصص إبداعية لها مدلولاتها على المستوى الاجتماعي والنفسي .
إن الغرائبية تعتمد اساسا على صفتين هامتين ، وهما الغموض والفضول فالغموض يجب ان يكتنف المعطى النصي ولا نريد هنا بالغموض ما يرادف الإبهام والتعقيد ، الذي يضيع على المتلقي الحصول على المعنى الذي يستهدفه الكاتب ، وإنما المقصود بالغموض كما سبق أن ناقشنا في البداية الغموض هو الانزياح الذي يخلق الصورة الجميلة الخارجة عن المألوف ، أما الفضول فهو ذلك التفاعل الحاصل نتيجة الرغبة في معرفة شيء مجهول لم يسبق له أن رآه أو سمعه وهذا هو مان نسميه بالإهاش أو الاندهاش ، فكلا الصفتين تؤثران في البناء النصي ، وذلك حسب ردة فعل المتلقي ،وكيفية تقبله لهذا الشيء الغريب ، سواء كانت نفسية أو وفق الخبرة التي تمليها عليه خلفيته الثقافية ، فكلما تحققت الغرائبية في النصوص الإبداعية كلما تحقق التفاعل بين القاريء والكاتب ، وبالتالي يخلق النص القاريء الناقد المشارك في العملية الإبداعية بصفة عامة ، فقد يكون هناك تواصل بين الكاتب والقاريء كلما كان الكاتب أذكى في السيطرة على زمام الأمور لأن هذه العلاقة هي التي تحكم على النص بالنجاح أو الفشل ، يقول كارسيا ماركيز :”عندما يشعر الكاتب بالملل من الكتابة يشعر القاريء بالملل من القراءة ” فحيوية القاريء متوقفة على حيوية الكاتب ، والرسالة حتما تبين مستوى المرسل وتؤثر بشكل إيجابي أو سلبي في المرسل إليه ، ولو لا هذه الرسائل التي تركها الجنس البشري على مر الأزمنة والعصور لما تمكنا من معرفة الحضارت التي سادت ثم بادت ، ولما عرفنا أصلنا وفصلنا ومن نكون .!!! .