كم مرة كذبت على قطار الصباح، وعلى أشرعة سفن المساء، وعلى خيول شوارع الرتابة، وعلى طرقات وجسور الكآبة، وعلى مزامير مطر آذار، وعلى زخارف فسيفساء نيسان وآيار، وعلى رحيق الرواء المنبعث من أكمام الزمزريق و النرجس و الجلنار، وعلى الممر المؤدي إلى باب سرداب المدينة المهجورة، وعلى عصافير الربيع الهاجعة في أعشاش الأسئلة الحزينة، وعلى هررة الظلام العنيدة، وعلى نافذة الفضول في حجرة السهار .. أنني لست خائفة من العودة إلى بواطن فلوات الوحشة وإلى قفار الطين اللازب و الصلصال، و إلى أجواف الخشية و الحيرة والغموض .
كم أنا خائفة !!..
خائفة من آلام لسعات عقارب الانتظار، ومن انكسار جبين مرآة وجهي بحجارة عواصف آخر الأخبار، ومن أفواه النوائب المشرعة على مصرعيها، ولما يشاع عن وجع سم أوزاغ الجائحة القاتلة !!..
خائفة من سعال فيلة الليل في مغارة صدري الباردة، ومن انتشار رائحة هورات الأهوال، واختناق رنين أجراس الأمل في عروق القويسة والخزامى والحوران و الأقحوان، واختفاء علامات النجاة واقتراب ساعة البأساء .
خائفة من المفردات الداكنة التي صارت تتكلم عنا وكأننا سنودع كفوف الأرض، وأجلال البحار، و أواوين الجبال، وهوادج منكب الجوزاء والثريا، وسروج الحنون والمهداج، وسوابح الأيام و الشهور و السنين، وواجهات أبراج السماء، وقلاع الماء وأقبية التراب، ومقابس اللهب، وشرفات الهواء ..
خائفة من أذى أشواك خشخاش الشكوك الشائكة التي لم تترك لنا أي مكان آمن نفر إليه إن اشتد أجيج نيران جحيم الكروب والغمم ، ومن أنياب لبؤة الحائنة المزمجرة ، ومن نظرات شزرة تتطاير من عيون رمضاء العطش و مردة الهاجرة، ومن نظرة ربوة الحياة الأخيرة لنا ونحن محوطين بجحافل ميمنة وميسرة، وقلب الحصار على أننا جثث محنطة تحمل نعوشها فوق ظهورها المقوسة، وليس لها إلا أن تطيع أهتار عبدة الشيطان ..
خائفة من سعار كلاب الفراغ، ومن وساوس أبالسة الخواء، ومن جبروت هذا البلاء ومن كلاليب المسافة التي صارت تفصلنا عن حكمة الأنهار، و خطبة البحار، و شكيمة الجبال، و كبرياء النخيل، والقرم و الأروكانية والصفصاف ..
خائفة على ابتهالات المرضى المعلقة على حبال قباب الرجاء، وعلى مواويل دموع ملائكة الرثاء في حلقات الهزيع الأخير، وعلى مصير لحاف الأمان الأبيض في الليالي الليلاء ، وعلى قناديل الذكريات المتهجدة في محاريب الدعاء ..
خائفة على زقزقة عنادل ضياء المهج من خناجر ضباب الغمرة، وعلى ترانيم كمنجات القمر من بكاء ربابات دياجير الظلام، وعلى مراجيح الأرض من غضب رياح الزعزعان ..
خائفة على نعومة ساكورا و فريزي و الجوري من جور سيافة خريف اليأس، و الذبول والوهن، وعلى لباقة الماغنوليا والغارديينا والغاليكا والغاوانيا واللوتس من بطش تنانين العطش، وعلى رهافة وخفة أريس والليلك و طيور الجنة و الأوركيد والزنبق من حدب زمن الجدبات والشظاف، وعلى بشاشة البيجونيا والكاميليا والبيلسان والسوسن من زمهريرالنوازل، وعلى حياء الياسمين وشقائق النعمان و القرنفل من ضربة قوارع الدهر ..
خائفة على أوبرا قوس قزح من عمى الألوان، وعلى قلائد و أقراط النجوم و أساور ودبابيس الفرقدين من جشع مداخن الشحناء وجواثيم الخراب وارتفاع سناجق سلطنة أبوام الشقاء و غربان الأنكاد ..
خائفة على انهيار عرش مملكة الإنسان واندثار آثار بوان حضارته، وفتوحات اسمه وضياع مفاتيح قصور كينونته، وزوال أوتاد أمجاد وجوده ..
خائفة على شعلة الشعر من طعنات حراب الجفاء والانطفاء، وعلى شهقة ” فيسوافا شيمبورسكا “، وعلى مزاج ” نينا كاسيان “، وعلى خزائن أسرار ” سارة تيسدال “، و على عناد ” تشارلز بوكوفسكي “، و على ثورة ” فيديريكو غارثيا لوركا “، وعلى جنون ” ميخائيل ليرمنتوف “، وعلى جرأة ” فلاديمير مايا كوفسكي ” و على غموض” فرانس كافكا “، وعلى وضوح” ليوتو لستوي “، وعلى وعي ” إيميل سيوران ” ، وعلى عبقرية ” ” لويس بورخيس ” ..
خائفة على ” باران عشق ” ” ناصر جشم آذار “، وعلى صوفية لحن ناي ” حسين عليزادة ” في معبد ” ني نوا “، وعلى بريق نجم ” أنطونيو فيفاليدي ” في ردهات فصوله الأربعة الخالدة، وعلى علبة ذكريات ” فريدريك شوبان “، وعلى تغاريد أنامل” تشايكوفسكي ” في” بحيرة البجع “، وعلى حبكة مخيال ” رينسكى كورساكوف ” في الليلة الواحدة بعد الألف من ألف ليلة وليلة التي أشعل في سرادقها شموع أسطورة ” شهرازاد ” !!..
خائفة على حقائب حكايا نساء ” ليوناردو دافنشي ” : ” الموناليزا” ،” سيدة القرنقل ” ” ينيفرا دو بينسي “، ” السيدة بينويس “، ” مادونا ليتا “، “عذراء الصخور” و ” سيدة مع قاقوم”، خائفة عليها إن أغلق/ طاعون/ الشؤم رتج الكون في وجه صلوات الشفاء ..
خائفة على زوبعة جنون ” فان كوخ “، وعلى شمعة روحه المتقدة في روح ” أزهار اللوز” وفي أنفاس ” ارسيس ” و في وجدان” مزهرية عباد الشمس” وفي همس حرير حنينه إلى شطآن ” ليلة النجوم ” و ” غرفة النوم ” و ” مقهى آرل ” وكريات صبوته في حقل القمح و شجرة السرو في ” هوت جالين “، و في آخر لوحة له بجنان الرسم في “جذور الشجرة ” بقرية ” أوفير شيرواز ” قبل أن يعثر على الشاكلة المريحة التي أراد أن يمضي بها !!..
خائفة على ثمار شجرة أزاميل ” ميكيل انجيلو” وهو يهتف بكل لغات المجد في حضرة “بيتتا العذراء تنتحب” و”ملاك من قبة القديس دومينيك” وهو يعلم أن لا أحد يتجرأ على التخمين في قطع رأسه عن جسد “بروتوس”، أو إزالة شامات السرمد المبرية على صفحات وجه ” كليوبترا “، أو إخماد حمارة قيظ صليل الصوارم ولهيب الحرب في ” معركة القناطرة ” أو كتم طقطقة بنادق “عبقرية النصر” !!..
خائفة على دهاليز ” بابلو بيكاسو “، وعلى وطن ” تيتيان “، وعلى سريالية “سلفادور دالي”، وعلى عتمة “رمبرنت فان راين”، وعلى زنابق “كلود مونيه” ..
خائفة على ذاكرة القصور العتيقة والمنازل البيضاء و المساجد الخضراء و الكنائس ذات القباب الزرقاء .. وعلى فصل المرح في قوارب الجندول بفينيسيا العائمة في مياه الدهشة، وعلى ريشة الفتنة بجزيرة “بالي”، وعلى عجلة “فيريس” وعلى بيوت وبساتين و أنهار “بتايا” و”مايوركا” وبوابة “هادريان” الرومانية، إن تبخرت رائحة أهباء آخر إنسان على وجه الأرض !! .
خائفة على حديقة ” توريس ديل باين” و على مدينة “البتراء” وعلى أهرامات الجيزة وعلى غابة ” بيا وفيجا “و ” شامبور و ” و شاطئ ” ويتهافن ” و منحدرات ” تشانفي”وخليج ” هالونج ” وصحراء ” أتاكاما “و بحيرة ” هيلير”وشلالات ” أجوازو” وجبل ” توبكال” وقرية وعلى ” طاسيلي ناجر” و حصن ” غارديل ” وعلى أفراس وكنوز مدينة ” سيفار” المنسية !!.. خائفة عليها إن تمكن قائد فيالق النمل والساس والجرذان والجراد من تخطي العقبة الكؤود والجلوس على كرسي اليابسة ..
خائفة على فكرتي البنفسجية من ملمس شرشف تخت التراب و لغة السؤال وطول ليلة الحساب وسعة قلب برازخ الرحمة والغفران وحجم حضن رب الرأفة والشفقة والحنان ..
خائفة من بداية جديدة قد تضيق ذرعا بأجنحة أحلامي الوارفة، و بأهازيج صوان الغربة في غور غدير أصوات وحدتي العاصية، وبرقصات غجر نقمتي على قارعة القلق، وبأراجيز بدر الثناء لإبل صبري، وبمنحوتات كنانير أصابعي .. و بصهيل خيول طمأنينتي الراكضة في برية أنفاسي المتمردة، وبآهات وأشجان وصية روحي الأخيرة ..
خائفة من طنين ناقوس شعور قاتم يغرز نباله الحادة في أوداج خيمة سكينتي، ومن تشرد غزلان المرابيع في هيماء الجدب .. ومن فتك فدافد القحط، ومن نهم مطاحن الفجائع التي أتت على آخر حبة قمح بحصادة الهناءة و البشائر ..
خائفة على قارب الأرض المقلوب، وعلى دورة ثيران الأسى المعصوبة العيون حول ساقية جرحها المفتوح، وعلى جيدها المقيد بأصفاد هذا البلاء التاجي .. تذل عفاريت ” كورونا ” هيبة سلطانها من فورة النهار إلى فورة العشاء، وتذل سياط غليلها ظهر الإنسانية التي صارت من ألذ فرائسها .. وتذل حشرجة الموت قبضة سنديانة الحياة .. وتذل مردة الخوف ملحمة العناق .. وتذل الجنازة الباردة أحصنة البقاء .. ويذل جليد السكوت سكون ديار الوداع .
خائفة من تحالف صبار الوقت مع موت بطعم العقاب، حشرتنا أشباحه في مآسد الحجر وألقت بنا في مجاهيل الحسرات- كما تلقي العقاب فوديها على الهيثم- ، فتعفنت أرغفة الصبر و دفر تين الجلادة وبلح التحمل وتبخرت قطرة ماء الخلاص الأخيرة !!..
خائفة على أنوال لغتنا الجميلة، وعلى سجاجيد حرائقنا المرجانية، إن حاولت غراب المنون الاقتراب من حجرات حياتنا الخاوية..
خائفة على وعود الشمس التي ستشرق في خلوات رمادنا، وعلى ديباجة كتاب الجمر التي ستزهر في فناجين ذاكرة عشيات المنافي.. وعلى مخطوطات رحلة العسر و اليسر إن عجزنا عن تمزيق شرانق الهلاك بمشارط الماء .. وعلى تسابيح الصبح إن ضاقت بدجنة خنادق التكهن .. وعلى مناجاة مشاكي سرج اليقين إن رضرضت أضلعها مدية ريبة الهمود ..
خائفة على فسحة الترقب من طيش رصاص التبرم، وعلى كوات أخلاد حافظي عهد ثمار الحواميم والطواسين من عبث الكلام القاحل . خائفة من سقطونا كحبات جوز فارغة واحتلال بيوت عناكيب الفراغ لأسقف بيوتنا العامرة وعودة أعراض الحمل الكاذب !! فنحرم من قسمة هسيس فراشات الرمال في قعور جباب الظلماء، ومن بخت حفيف أوراق التوت في فصل العراء، ومن حظوة هارمونيكا الحنين في حناجر المغيب ..
خائفة إن تعرينا أكثر أمام غيب المنحدر الصعب.. فيمتنع البالول عن تكفين هشيم أمنيات الندى المستحيلة في سعف أهازيج الوصب.. فيتعثر ظل سحابة نواحنا بفردة حذاء المسافة الطويلة التي تفصل نواصي أبجدية وجوهنا المقفرة عن مرايا الله الزاهدة ..
خائفة من نبوءات أرصفة تيهنا، ومن رجفة صخرة أرزاء طائر الخفاش الأعمش، ومن حظ التنين الأصفر، ومن لعنة الوباء الأسود، و من تأتأة خواطر العتاب المتعبة، ومن فحيح مناديل العاقبة الشاحبة، و من تجاعيد أنفاق تبرمنا، ومن وقوفنا على رجل واحدة عند مفترق الغياب ..
كم أنا خائفة على معطف خيالنا الباهت في وهدة خاتمتنا المظلمة ، وعلى أجنحة أرواحنا الهشة خارج أسوار مدن النسيان و الهذيان !!.
- الخوف في زمن الكورونا
- التعليقات



