المنطقة الزراعية المتاخمة للحيِّ الراقي تم تبويرها وضمها لكردون المدينة. جُنَّ جنون الأسعار وتكالب الناس على امتلاك قطع الأرض. انسحب اللون الأخضر مهزومًا أمام جيوش الأسمنت والحديد الرمادية الزاحفة في إصرار. علت العمارات يناطح بعضها بعضًا في عشوائية ممجوجة وتلوث بصري مقيت. بقيت مساحة من الأرض الزراعية (المسقعة) المتطرفة تواصل الزراعة على استحياء، محصولها هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع، يؤخر أصحابها يوم الجناية عليها ترقبًا لمزيد من الثراء. المنفذ الوحيد المطِل على الحياة كان مزلقان الموت.
الكثافة السكانية المتزايدة لا يحدُّ منها سوى تحالف الأوبئة والقطارات السريعة. قتيلٌ على الأقل يوميًا تحت العجلات. يجمعون الأشلاء ويهزون رؤوسهم أسفًا على إهمال المسؤولين، ثم يواصلون حياتهم المعتادة كأنّ شيئًا لم يكن. سرت شائعة بقرب إلغاء خط السكة الحديد، وردم الترعة وتحويلها إلى صرف مغطى. من جديد اشتد لهيب الأسعار وزاد سُعار البناء، حتى ضاق المكان ولهث اختناقًا.
وفد إلى المنطقة أمواجٌ من الأثرياء العرب المهاجرين من البلدان المستعرة، تلاهم ثلة من مُحدَثي الثراء، بعد استيلاء الدولة على منازلهم وهدمها وتعويضهم، لإنشاء محور جديد للطريق السريع. بأموال التعويضات قضوا على البقية الباقية من الفضاء. وأصبحت المنطقة قطعة من الصين الشعبية.
لو نظرتَ إلى العابرين للمزلقان صباحًا لرأيت عجبًا: جموع السابلة المتدافعة من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والعجائز الأصحاء والزمنى، وعربات الكارو تجرها الحمير والخيول، وعربات التوك توك بسائقيها القصّر الذين لم يشبُّوا عن الطوْق ذوي الألفاظ النابية والمشهورين بالتهور والرعونة، دراجات عادية وبخارية تتقاطع في سباق بهلواني قاتل،أوتوبيسات وميكروباصات ومقطورات وسيارات نقل وملاكي وأجرة تزحف تسبقها أبواق التحذير أو من دون أبواق، تتخللها قطعان المواشي والماعز تلتقط القمامة من الطريق وتحيطها الكلاب، باعة جائلون يفترشون قارعة الطريق يؤذون المارة ويُعيقون المرور. يرفعون عقيرتهم بالنداء على كل ما يخطر على بالك من: مأكولات ومشروبات وملبوسات وهدايا وتحف وأدوات منزلية، حتى الحيوانات والطيور الأليفة ومستلزماتها. مجموعات من الشباب العاطل المتخصص في التحرش ومعاكسة النساء وصنع المقالب وافتعال المشاجرات والسرقات. سيماهم في وجوههم من أثر السجون، بائعو بانجو ومخدرات (عيني عينك) على بعد خطوات من نقطة الشرطة المتفرجة الصامتة، لو تفرستَ فيهم لوليت منهم فرارًا، ولملئت منهم رعبًا. تصدح المساجد بالأذان فلا يجيب إلا القليل من كبار السن وأرباب المعاشات. الأهالي العابسون دومًا تهللت أساريرهم حين حيل بينهم وبين المزلقان المرعب بسور منيع، وارتفع عليه كوبري مشاة موصول بسلم كهربائي ومِصعد من الجانبين. بالإضافة إلى كوبري آخر لعبور السيارات. بدت النضارة في وجوههم بعد توقف حوادث القطارات. لم ينغصْ عليهم فرحتهم سوى انقطاع الكهرباء المتواصل وتعطلِ السلم والمِصعد. بعد سنتين شبّ حريق هائل مجهول المصدر، أتى على الأخضر واليابس. هرعوا جميعًا إلى السلم مصدر النجاة الوحيد. الكهرباء المقطوعة كالمعتاد حالت دون وضوح الرؤيا. خسائر الحريق والدهس والتدافع في الظلام فاقت حصاد السَّنوات العجاف.
- السُّلَّم
- التعليقات