كانت يداه ترتجفان وهو يشدّ على مصعد الطّائرة ، تتداخل في جوفه أمواج الهواجس ، هاهو قاب قوسين أو أدنى من أن يحطّ أقدامه على تراب وطنه، يصفعه الغياب الطّويل الذي أفنى فيه العمر في ديار الغربة ، أيعقل أن يعود لهذا البلد الذي لاقى فيه مرارة الويل؟
ليس من أولئك الذين لا يعرفونه فقط ولكن حتى من أقرب النّاس ِإليه ، والده ، جيرانه وأصدقائه ، الكلّ كان يتشاءم من خليقته ، لم يكن يحمل شكلاً مقبولاً ، ولا وجهاً متناسقاً يمنح الرّغبة في الاقتراب منه ، وجهه غير محدّد الملامح يميل للقبح أكثر من أن يميل لشيء آخر ، ربّما لهذا راح الجميع يتشاءم منه ويتطيّر، هو يذكر تلك الكلمات الجارحة التي حزت قلبه الطّري والتي لم يكن والده يتوانى في رميه بها كلّما بدر منه شيء عن قصد أو عن غير قصد ، كلّ الأشياء المعيبة اوالكارثية التي كانت تحلّ بأسرته يحصل أن يوجه إليه الجميع أصابع الاتهام فيها كأنما هو مصدر الشّر كلّه.
– وجه الشّر هذا الولد..
قالها والده وهو يرد على جاره العجوز حينما جاءه يشتكي من تلك الحجارة التي كان أطفال الحي يرمونه بها في قيلولته ويفرّون هاربين
ـ لا أعرف ماذا فعلت حتى يعاقبني الله بمثل هذا الولد الشّيطان؟
ـ أتعرف يا سيدي لولا مخافة أن يقول عنّي الناس أنني وأدت طفلي لكنت تخلصت منه عند مولده مباشرة ، بسببه فقدت زوجتي ، حتى الأطباء أكدّوا لي ذلك ، قالوا لولا رأسه الغليظة الذي التوت على الحبل السّري لنجت أمه وحتى بقاءه في بطن أمّه لم يكن بقاءً طبيعياً كما كلّ البشر، فقد بقي تسعة أشهر وتسعة أيام ممّا سبب نزيفاً حاداً لأمه التي ماتت على طاولة الولادة ، لا أعرف لماذا نجا هو وماتت هي؟
من يومها وأنا أعاني معه حتى الحليب الذي كنت أشتريه له رغم غلائه إلا أنه كان يرفض رضاعته ، لولا تلك الجارة العجوز التي أشارت علينا بأن نرضعه خليطاً من الماء مع مستحلب نبات برّي لما كان يكف عن الصّراخ…يذكر تلك الكلمات فيزداد جرحه اتساعاً وتنغلق بين ناظريه حبات الضوء وفتحات الهواء ليهجم عليه غيم الحزن، لا شيء يشتهيه في هذا الوطن، هذا الحدود الجغرافي الذي طالما عذبه وكنّ له العداء بلا مبرر، لم يشعر يوما فيه بنعمة الوجود ولا بإنسانيته ولا انتماءه إلى أن كبر وجاءت سنوات تلك الحرب الأهلية التي تطاحن فيها الجميع ، كان وحده كما كل البؤساء الذين يسكنون الحياد ، لم يؤيد ولم يستنكر، لم تكن الحرب حربه ولم يفقه حينها أدنى سبب لقيامها لأنه كان رجلاً منعزلاً مرفوضاً يتطيّر منه كلّ أولئك الذين يحيطون به ورغم ذلك كان متهماً من الجميع ، الكل يرى أنه مصدر الشؤم كلّه لهذا يجب التّخلّص منه…، يذكر تلك الليلة الباردة من أيام يناير عندما جاءته الشرطة ومعها كلابها المدّربة على الشّم تلاحق هارباً قام بعملية تفجير في السوق الأسبوعية ممّا أدّى إلى سقوط كثير من الضحايا والجرحى ، فراحت الشرطة تتقدّمها كلابها المدرّبة تبحث في كلّ بيوت حيّه، فما كان من تلك الكلاب إلا أن خلصت في شمّها عند باب بيته، فهاجمت الشّرطة بيته دون تردّد مما أدى إلى مقتل أخيه و إحراق البيت عن آخره..
بكى أبوه حينها حرقته على كل شيء إلا عليه، واقتيد هو على السجن دون أن يعرف سبباً لذلك ، لم يخطر على خلده وهو ُيجرّ منكباً على وجهه مقيداً بأغلال المجرمين أنه سوف يتهم يوما بشيء لم يسمع عنه في حياته وهو الرجل الوحيد والمنعزل ، أبوه لم يحرك ساكنا ، سكنته بذور الشك والارتياب ، حدثته نفسه أن ابنه من الممكن أن يفعلها مما جعله يصاب بالبكم والذهول وهو يشدّ تراب حزنه على تلك المصيبة التي تسبب فيه ابنه البكر، بعدها بسنوات تمكّن من الهرب ، حتى الهرب لم يكن من تدبيره بل وجد نفسه مدفوعاً إليه بحكم تواجده في الزنزانة نفسها التي وضع فيها مجموعة من السجناء السياسيين ، وحينما دبروا خطتهم للفرار أخذوه معهم ظناً منهم أنه رجل مهم ، فساعدوه على الهروب إلى خارج الحدود حيث تمكن من أن يحوز على حق اللجوء السياسي وان تضمن له الدولة المضيفة راتباً شهرياً ومسكناً لائقاً يقيه شرّ العوز ليكون إنساناً ولو مرّة في حياته ، ما أروع أن تشعر بآدميتك بين الجميع وما أتعس ذلك حينما يكون بعيداً عن الذين تحبهم.
لم يعد أحد يدير وجهه عنه ، الكل في تلك البلاد المضيئة مشغول بهمه، لا تطيّر ولا تشاؤم ولا التفات الى العدم، في غضون السّتة عشرة سنة التي قضاها في الغربة والتي جعلت منه إنساناً مهماً ، تعلّم الكتابة والقراءة، قرأ الكثير حتى تعلّم كيف يصنع من عزلته فضاء للحرية والانعتاق ومن زمن وحشة جسده جمالاً يدفعه للتعلق بالحياة، هو اللحظة يتنفس ملء منخريه تنتابه فرحة الملائكة العائدين إلى فردوسهم، يدفع قدميه على أشواق القلب، يلامس رصيف المطار بنشوة العاشق الذي أطلّ عشقه من بعيد ، تتصاعد في مخيلته حرارة الأسئلة، أيعقل أن يفعلها هو دون الآخرين؟
وفي الوقت الذي يفكّر فيه أن يعود لوطنه ، الى أبيه الذي ما فرح يوماً به ولا تباهى كما يتباهى كل الآباء بأبنائهم ، ولا عدّه حتى إنسانا يستحق الرّحمة ، لابدّ أن والده قد شاخ اليوم ، لقد تتبع أخباره وعرفها دون أن يفكّر في مراسلته ، لم يكن يعنيه أكثر من أن يطمئن على حاله ، يسأل عنه كثيراً ويكرّر طرح أسئلته على أولئك التجار المغامرين الذين يحترفون تجارة الشنطة ، فقد تعرّف على بعضهم في منفاه ، تزوّد بكثير من الأخبار السّارة عن أبيه ، فعلم أنه تزوّج من فتاة تصغره بعض الشيء وأنجب منها طفلين جميلين وأصبح بعدما غير مكان إقامته يعمل في الحقول المجاورة للمطار ، كل تلك المعلومات أسرته وجعلته مغتبطاً مما جعله يقدّم دون تردّد على قرار العودة كيما يتصالح مع الجميع وفي مقدمتهم والده .. تتدافع في مخيلته خيول النشوة:
ـ لابدّ أن والدي سيكون فخوراً بي ،ولم لا وأنا اليوم إنسان مهمّ بكلّ ما تعنيه الكلمة ، كما إنّني اليوم فعلتها وجازفت بحياتي لأنقد الجميع وإلاّ كانت ستحل الكارثة بلا شك ، حينما أعلنت المضيفة عن العطب الذي أوقف إحدى عجلات الطائرة مما جعلها تفشل في محاولة الهبوط فاعتلى الرّكاب الذعر، وبدأت النّسوة في الصّراخ وعمّت الفوضى، لم يعد غير الذعر والخوف سبيلين لإعلان الكارثة التي شعر بها كلّ راكب لولا تدخل قائد الطائرة بوقاره ورزانته ، رجل في نهايات الكهولة لكنّه ذو بنية قويّة بدت من خلال وقفته ونظراته الثابتة ،ووجهه الناصع المائل للحمرة ، ثبّت ناظريه في وجوه الجميع وكأنه ملك يحوز على ملك جديد، الأنظار مصوبة إليه يدفعها الخوف ، تترقّب أول كلمة تنسل من حلقه ليحكموا على مقدرته في الحكم ، رفع يديه ثم أنزلهم بهدوء تام دافعاً الجميع كي يهدئوا من روعهم :
ـ ارجو أيها السادة أن تهدأوا..نحن نعاني مشكلة تقنية ، لكننا من الممكن أن نسيطر عليها لأنّ الوقت في صالحنا ، فالوقود يكفينا لأكثر من ساعتين كيما نحلّق في الجو، لهذا أرجو من الجميع مساعدتنا بالهدوء حتى نتمكّن من السّيطرة على الموقف ،فلكل مشكلة حلّ ومشكلتنا هي العجلة اليسرى ، فقد تعطّل جهاز تحكّمها وأصبح إخراجها مجازفة كبرى لهذا علينا بفكّها نهائياً من خلال نزع مصورتها وترك العجلة تتحرّر نهائياً حتى يعود جهاز التّحكم للاشتغال وبالتالي نستطيع السيطرة على العجلتين الباقيتين اللتين ستمكناننا من الهبوط ،والآن ياسادة يلزمنا متطوّع من الرّكاب كي يقوم بتحرير العجلة العالقة.
قالها القائد مرتين ثم أعادها وهو يبحث في وجوههم عن رجل يمنحه أملاً في حلّ هذه المشكلة ، لكنّ الجميع تسمّروا وكأنّما الحديث لا يعنيهم، الكلّ بدا خائفاً يترقّب من الذي سوف يتشجّع ويقوم بهذه المجازفة الكبرى؟
تساءل كلّ واحد في سرّه.
ما كان له إلا أن رفع رأسه وهو يعرف أنه لم يفعل في حياته قط شيئاً ذا قيمة يستحق عليه احترام الناس، دارت في سرّه أسئلة الألم: لم أفعل ما يوجب على الناس احترامي به ولكني لم أفعل أيضا ما يضرهم، لست سيئاً ولا طيباً ولم تتح لي يوما فرصة عمل الأشياء التي قد تنفع الآخرين دائما كنت منبوذاً ومبعداً من كلّ الذين أنتمي إليهم.
يتوقف الوخز في سرّه ليدفعه منكبّا على جرحه، لكنّ الفرصة هاهي اليوم أمامك، اغتنمها وقل للجميع إنك هنا .
ردّد صداها في عمقه
قل للجميع إنك هنا برغم قبحك الجسدي وحظك العاثر.
وقف دونما تردّد وراح متوجّهاً لقائد الطائرة الذي صافحه ، ثم أخذه إلى الرّواق القريب من قمرة القيادة وراح يفتح له فتحة تؤدي الى جهة الشّحن ، نزل وهو يطارد خوفه تدفعه حرارة الانفعال بأن ينجح في مهمّته هذه مهما كلّفه الأمر، لن يعجزه الخوف من رؤية فراغ الفضاء ، تلمس بأصابعه ماسورة العجلة والرّيح قطار يخترق صدره، بحث عن البرغي الذي يتحكّم في الماسورة وراح يفتحه وهو يشدّ بكلّ قوّته في الرّباط الذي شدّه به القائد وجماعة من الرّكاب ، عارك الرّيح وعارك خوفه ليتمكّن في الأخير من تحرير العجلة ليتركها لسقوط الحرّ، ليعود بعدها بعدما جذبوه الى داخل الطائرة ملوّحاً بالزّهو والفرح ، صفق له الجميع وهللوا وهم ينعتونه بصفة البطل ويده لازالت تمسك يد القائد الذي راح فرحاً وهو يرفعها للأعلى ملوحاً بالانتصار على ذاك العطب . من لحظتها وهو يشعر بالانتصار على جرحه الذي بدأ ينز مع أول خطوة حطها على تراب وطنه.
هاهو اللحظة يشير الى سيارة تاكسي كي تتوقف لتقلّه إلى بيت والده الذي يجاور الحقول التي تحاصر جانباً كبيرا من المطار, السيارة تلعق الطريق بسرعة فائقة وهو سارحٌ في المفاجأة التي سيوقع والده فيها ، ست عشرة سنة ووالده لا يعرف عنه شيئاً ، أهو حيّ أم ميت؟
أخباره منقطعة عن كلّ الذين عرفوه قبل هروبه من السجن،و من وطنه، حاول أن يكلّم السائق أو حتى يسأله عن مدينته لكنّه أقفل متراجعاً ، ليجذبه خيال ما قد يوقعه حضوره في قلب والده .
ـ سأعوض والدي عن سنوات الغبن والغياب وحتى زوجته وأبناءها سأكون لهم السند الذي سيمنحهم كلّ شيء ، لن أقبل ان يبقى أبي كادحاً في بؤسه بعد اليوم، بينما هو كذلك وإذا به يشعر بتباطؤ السيارة ومحاولات السائق للفرملة المتكرّرة متجهاً في كلّ مرّة جهة اليمين
ـ لماذا تبطىء من سرعتك، أهناك شيء ؟
ـ نعم ياسيدي إنه موكب جنائزي يقترب منّا
ـ إن لله وإن إليه راجعون..توقف حتى يمرّ الموكب ثم نتابع طريقنا .
توقفت سيارة التاكسي جانباً فاسحة الطريق للموكب الجنائزي كي يمرّ ثمّ تابعا الطريق إلى أن وصلت بهم السيارة إلى بيت والده ، لاشيء غير الصّمت وبقايا الغبار العابس الذي يحاول الترسّب في الأرض وقبل أن ينقد السائق أجرته نزل لعلّه يتطلّع إلى المكان ، دار في مكانه وهو يبحث عن الورقة التي كتب فيها عنوان بيت والده ، تفحّصها جيداً العنوان هو بالتاكيد ، حقول المطار ، البيت رقم تسعة، دنا من الباب بدا له كلّ شيء ساكناً ، صامتاً كأنّما أهله أخذتهم الرّاجفة ، رمى خطوته على حافة الباب ، دقّ مرّة ثمّ مرتين ، ثلاثة ،لا أحد ، بدأ ينادي بأعلى صوته عن والده ، لا شيء ،لا أحد يسمعني قالها في سرّه وهو يتراجع إلى الوراء ، انتابه التوتّر حاول أن يدور في مكانه ، أصابته الدهشة ، أيعقل أن يكونوا قد رحلوا…أيعقل؟!
بينما هو غارق في تلك الحالة و إذ بصوت عجوز ملبّدة الوجه شعرها يميل الى البياض القميء وهي ترفع وتنزل عقيرتها بعدما أطلّت عليه من نافدة بيتها المقابل
ـ ماذا تريد أيّها السيّد ؟لا أحد في تلك الدّار ، لماذا تنادي بأعلى صوتك ألا تعرف أن الجميع ذهبوا مع الموكب الجنائزي؟
رفع رأسه ناحيتها وهو يبحث عن مصدر هذا الصوت الذي صعق فيه حبّات الفرح المؤجّل
ـ ماذا تقولين ياسيدتي ، عن أي جنازة تتكلّمين
ـ أية جنازة؟ ألست من المعزّين؟؟
ـ اسمحي لي أنا لا أعلم عن التعزية شيئاً، جئت أسال عن صاحب هذه الدار، أتعرفينه؟
ـ ماذا يقول هذا الأبله ؟
ـ اسمع أيّها الغريب ، صاحب الدّار الذي تتكلّم عنه مات صباح اليوم.
ـ ماذا قلت؟؟ مات اليوم ؟ كيف؟ كيف ؟
ـ نعم ياهذا ، لقد سقطت عليه عجلة طائرة حينما كان يعمل في الحقل فمات من حينه.
مات والدي…سقطت عليه عجلة طائرة..وأنا من….
لا…لا يمكن أن تكون نفس العجلة التي حرّرتها بيدي، لا يمكن أبداً أن أكون أنا من تسبّب في موته… لا يمكن ..سقط على ركبتيه مذهولاً ، وجهه في التّراب صائحاً كأنّما خرم قلبه وسملت عيناه بقطعة حديد ملتهبة، في الوقت الذي كان سائق التاكسي يرفع من حدة بوقه كيما ينبهه لدفع للأجرة.
