على صفح جبل من الأوراس الأشم وفي كوخ من القش، يقيم رجل شهم ذو إرادة وعزيمة صلبة ،وشخصية تحمل في ثناياها روح التحدي والحرية ،وحب الانعتاق من رقبة المستعمر الجاثم على كل مقدرات وخيرات وطنه، لقد ناهز هذا الشهم الخمسين بقليل، ويعيش مع أسرة قليلة الأفراد ولكنها تحمل في طياتها الكره لهذا الدخيل الذي يعبث بمقومات هذا الوطن الغالي، وتعتمد في معيشتها على ما تجود به يد الملاك الإقطاعيين المستعمرين، فهو يزاول لديهم العمل بل قل المشاق والمتاعب والصعاب الجمة ويالها من إهانة تبدأ من طلوع الفجر إلى آخر النهار، بل يمتد في معظمه ما بعد غروب الشمس، فيتأهب على عجل كل صباح باكرا فيأخذ بعض الزاد على قلته التي تُعده له زوجته التي تسبقه في الاستيقاظ مبكرا، الذي هو عبارة عن قطع خبز وبعض الحليب ويغادر كوخه متجهًا صوب الاحتقار والاستعباد والمذَلة والإهانة التي يكابدها من ِقبل الرجل الأبيض الذي يعتبره عبدًا له ومملوكا تحت سلطته فهو الآمر والناهي فلا حيلة له، وهو يعتبره دخيلا وغازيا محتلا للوطن وفي نفسه شرارة التحرر والانعتاق من قيود العبودية والظلم المسلط عليه من هذا الغازي الآثم فهي تنمو كالنار في الهشيم، ومع إنبلاج فجر أحد الأيام التعيسة وقع ما لم يتصوره من همجية الاستعمار ووحشية إنها الكارثة والمجزرة المرعبة والرهيبة التي حدثت في الناحية التي يقطن بها لقد أقدم جنود الاحتلال بدم بارد وضحكات تتعالى بينهم كأنهم في موكب فرح ! بإعدام ما يربوا عن مائة شخص أغلبهم من الرجال الأشداء لا لشيء- إنما رجل منهم يكاد الجوع يحبس أنفاسه- فذهب خلسة ذات ليل وأخذ قدرا يسيرا من الأكل لكسر جوعه فكانوا مع قدرهم المشؤوم لوجود جنود الاحتلال ليتهم ما حضروا، لقد عاثوا في الأرض فسادا وهدَموا بعض الأكواخ ونكلوا بأهل القرية وجلبوا مواشي الأهالي نكاية بهم وإذلالا وترهيبهم وردعَا لهم، وفي خضم هذا الظلم والاعتداء والعدوان المسلط عليهم والواقع على رقابهم، عظمت في نفسه وكبرت معه محاربة هذا الصنم الجاثم على هذه الأرض الطاهرة الذي ينغص عليهم حياتهم ليعيشوا تحته عبيدا وهم في وطنهم الذي جاءه محتلاً وغازياً وغاصباً ومدمرا كل شيء وناهباً لخيراته فأشتط به الغضب وسرى في عروقه…رغم النقش والتقاسيم البادية على محياه الدالة على شيخوخة تسري آثارها على جسده إلا أن روح التضحية والفداء متوقدة ،لإيجاد سبيلا ومخرجا من هذا القهر والظلم خصوصا وهو الآن وحيدا بعد أن أصبح محل متابعة وبحث من لدن الظالم وأعوانه الذين باعوا كرامتهم ووطنهم بأبخص الأثمان، فكوخه طرح أرضا على من فيه انتقاما لما قام به أهالي الجهة في مساعدة الخارجون على القانون حسب وصفهم الذين مروا بجوارهم ولم يفشوا سرهم أو يبلغوا عنهم!… وهو على هذه الحال لا إقامة له فدائم الترحال والتخفي بين الريف والمدينة، وفي صباح أغر ومشرف جلبه القدر إلى مجموعة من الرجال كانت تعيش ما يختلجه في صدره من محنة وهوان وتقاسي ظلم المستدمر الواقع على هذه الأرض الطاهرة، فتعاهدوا فيما بينهم على مقاومته ودحره مهما كانت التضحيات والثمن وفي نيتهم النصر أو الاستشهاد في سبيل تحرير العرض والأرض من هذا الدخيل الذي لا مكان له بيننا.
وما هي إلا أيام قلائل حتى بدأ العد التنازلي للميقات المتفق عليه، بعد أن أعدوا ما استطاعوا أن يجمعوه من سلاح على قدمه، والذي قد لا يجاري آلة العدو ولكن إرادتهم كانت أقوى فإيمانهم بقضيتهم وعدالتها والتضحية في سبيلها لنيل شرف النصر أو الاستشهاد هي أكبر عدة وعتادا؟!…
يا له من زمن عصيب وظروف قاسية وتكالب الظالم وأعوانه على هذا الشعب الذي يريد أن يمسخه ويمحي وجوده المادي والمعنوي على أرضه، التي هو أصيل فيها منذ الزمن الغابر؟!…
في ليلة الفاتح من نوفمبر الأمجد فجروا الثورة المباركة، فأحتضنها الشعب وباركها فعمت كل الربوع وتقبلها ودعمها بكل ما يملك وفي وقت وجيز انتشرت كالنار في الهشيم واعتبروها الغيث النافع!!…لقد دعمها بالنفس والمال فبدأ الرجال يخوضون معارك الكر والفر لأنهم لا قبل لهم بسلاح العدو أو آلته العسكرية فهو يملك ترسانة قوية من الأسلحة المادية! وهم يملكون الإرادة والعزيمة القويتين وفي نصب أعينهم وهدفهم الأسمى اثنان لا ثالث لهما- النصر أو الاستشهاد- وفي خضم هذه الأحداث المتلاحقة والملاحم التي يرسموها الأبطال وتواترها وتناقلها بين أفراد عموم الشعب ،عظم في نفس هذا الرجل الشيخ الشهم أن يرى الوطن منتصرا حرا طليقا أبيا، فخاض المعارك الشرسة مع القوات الاستعمارية الواحدة تلو الأخرى.
أما المستعمر فهو يعيش في حيرة من أمره على تلاحم الشعب وترحيبه بثورته المظفرة ،واشتداد المعارك وإلامها وهي تحرقه وانتشارها وتوسعها في كل النواحي، فتوعد وهدد – لكن زمن الحرية قد لاح ولا عودة إلى الوراء- لقد غضب فعمد إلى سياسة الأرض المحروقة ،فما زاد ذلك إلا صلابة وقوة للثورة وازدادت رقعة المعارك وقوى عودها أكثر فأصبحت حديث الشعب وأصدقائه من العالم الخارجي، وكذا الشعوب التواقة للحرية لقوة هذه الثورة ضد الغاشم المستبد، فبدأت تباشير النصر تلوح في الأفق نظير خسائره الفادحة وتوابيته فوق السفن وهي مغادرة بهم!…
وقَربَ موعد الحسم أكثر بل أصبح حديث الجميع لأن المحتل أدرك وأقتنع أنه لا يستطيع أن يكسر إرادة الشعوب.
ما زال الشيخ كالطود الشامخ رغم تقدمه في السن ،لقد دقت ساعة التحرر والنصر وبزوغ الفجر وعلامات ذلك بادية على ملامح وجوه أفراد الشعب وهي مستبشرة، فراح المستعمر يلم شتاته ويرحل عن هذه الأرض الطيبة الطاهرة ،ويزرع خلفه الألغام المادية والمعنوية التي باعت الدين والوطن.
وجاء اليوم الموعود الفيصل للحق والباطل وللحرية والعبودية إنه ذلك اليوم المشهود، الذي لم يكن هدية من أحد بل هو من فضل الله ثم تضحيات الأبطال من شهداء سقوا بدمائهم الطاهرة هذه الأرض المباركة والمجاهدين الصادقين لوطنهم ودينهم وما بدلوا تبديلا.
هرم الشيخ وأنهكت قواه فأصبح قعيدا وقلت حركاته وأصبح يحتاج إلى مساعدة الآخرين فشاهد بأم عينه راية النصر مرفوعة فوق كل الربوع ،وعاش فجر الحرية والانعتاق، وما هي إلا سنوات معدودة وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة والثلوج تكسو صفوح جبال الأوراس تعرض سبيله لغم بشري ،لم يرحم شيبته وتضحياته صوب أداته نحوه فأصابته وتركه بغرق في دمائه ففاضت روحه إلى بارئها بعد أن حقق النصر وشاهد فرحة الشعب بالاستقلال؟!…
الوادي الجزائر الجمعة 18/07/1997
- الفلاح المجاهد
- التعليقات