في احدى محطات الباص وصلت تلك الفتاة العشرينية بخطواتها الثابتة، وهدوئها المعتاد جلست غير مكترثة بما حولها تنظر من خلال نظاراتها الشمسية الى كلتا جهتي الشارع، كأنها ترقب خطوات تأتي نحوها، هادئة في كل شيء حتى بتلك النظرات وذاك التأمل الذي تؤديه بين الحين والاخر، فتركز على نقطة محددة في خيالها وتبقى ساكنة دون حراك، تداعب بيديها الغضتين وردة حمراء ملفوفة بكيس شفاف، تنظر اليها مبهورة، كأنها ترى وردة لاول مرة في حياتها، تارة تبتسم لها، وتقربها من فمها تارة اخرى، وتهمس لها بكلماتها الرقيقة، تقلب باوراقها، تشم عطرها…حلقت روحها وسرحت في عالم ثانٍ وكأنهاصعدت فوق غيمة بيضاء، بثوبها الابيض وتاجها الناصع، وباقة الورد بين يديها، تسبح في خطواتها وهي تنتظر، رأت من بعيد شبح حصان ادهم كالليل يطير بجناحيه تعجبت من هول المنظر دققت في نظراتها، لم يكن فارسه موجودا، فالسرج خالٍ تماما، اخذ يقترب منها وقف على غيمتها، فسقطت.. وكادت تصرخ هلعا، ملأها الرعب، صعدت وتيرة تنفسها، رن هاتفها:
-مرحبا.
-اهلا.
-اعذريني لا استطيع المجيء.
في مشهد درامي كأنه حصل بطريقة سينمائية وبالحركة البطيئة، فتحت فمها، تدحرجت لؤلؤتين على ثرى خدها، ارتفع نشيجها، سقط الهاتف من يدها، وتهاوت الوردة تتهادى ببطء، بعد ان نُثِرت ذرات الحزن على اوراقها، ارتطمت بقوة على الرصيف، صعدت مرة اخرى الى ان استقرت جثة هامدة بلا احساس ولا رائحة، تركت وردتها ورحلت عنها مجروحة مهزومة.
بقيت طريحة الرصيف تترقب خطوات القادمين بين الخوف من ان تسحق والرغبة بان تحل ضيفة على يد تحنو عليها وتشعر بدفئها، جاء رجل كبير بالسن وبيده عكازه يمشي بصعوبة الى ان جلس في المحطة ليرتاح قليلا، رأى تلك الوردة تغفو في شق صغير يتلاعب الريح في اوراقها ذات اليمين وذات الشمال، طار في ذاكرته الى المشفى كانت ابنته بجانب الشباك المفتوح تتلاعب بخصلات شعرها نسمات الهواء ، دخل بباقة الورد الحمراء:
-الحمد لله على سلامتك ابنتي.
-شكرا بابا.
-اين زوجك.
-لم يكلف نفسه ويأتي لزيارتي، انت الحنان الذي يملئ الكون ابي.
صمت طويلا وهو ما زال ينظر الى الوردة ويحدث نفسه
-مر زمان طويل وانا في دار العجزة ولم يأتي الي احد…
وقف مستندا على عكازه التي سحقت ساق الوردة، فاصدرت صوت العجز والانكسار، اكمل طريق الألم بتلك الخطوات الثقيلة القاسية.
لم يلتقطها احد فما زال الرصيف يشم عطرها ويبتهج بجمال لونها الاخاذ، الا ان قدمت امرأة يرتسم على محياها ابتسامة حزينة، بلوحة دراميةممزوجة بالفكاهة، شاهدت الوردة، انحنت عليها، ورفعتها بالطريقة ذاتها عندما اخذتها من ابنتها الصغيرة في عيد الام، مر طيف ابنتها التي غادرت هذه الحياة بحادث مروري امامها وهي تعطيها تلك الوردة الحمراء وتقبل يدها:
– كل عام وانت بخير امي.
-وانتي بخير حبيبتي، يالها من وردة جميلة.
-نعم قطفتها من الحديقة.
في هذه اللحظات مرت طفلة متسولة في الشارع بملابسها الرثة، وقفت امامها كانها تجسد المشهد بطريقة معكوسة، ضنت البنت انها هي المقصودة فاخذت الوردة، وابتسمت المرأة ورقائق الدمع تسقي نواجذها…فرحت الطفلة واخذت تشم الوردة، وتلثمها عدة مرات، قطعت ورقة منها، قربتها من فمها، تذوقتها، استحسنت طعمها، بدأت تلتهمها بشراهة، سدت رمق الجوع مؤقتا، رمت ماتبقى منها، كانها تقول (اذا دخل الجوع من الباب هرب الحب من الشباك) .

أضف تعليقاً