للكاتب كمال مصطفى جاد
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
شخصيات القصة
الكاتب – الزوج – الزوجة – المضيفة – المضيفات – الكاتب الآخر –
المكان: الطائرة.
الحركة: ترك الكاتب مقعده وذهب إلى مقعد آخر.
الزمن: رحلة جوية تستغرق ساعات.
الأحداث والحوار: داخل الطائرة.
عن الكاتب
فى مراحل التعليمِ: تخرجَ الكاتبُ “كمال مصطفى جاد” فى كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية 1983م. جامعة “الزفازيق” فرع بنها كلية اﻵداب قسم اللغة العربية 1989م. جامعة “الزقازيق” فرع بنها ، معهد الدراسات الإسلامية 1986م. ميت عقبة ، تمهيدي ماجستير 1990م. في الأدب والنقد ، دبلوم عام تربوي في تدريس اللغة العربية سنة 1990م. لغير الناطقين بها ، دبلوم خاص في التربية تحصص الطفولة والمراهقة1991م” [1].
فى الطريقِ إلى الصعودِ العلمىِّ: تمَّ “التسجيل لدرجة الماجستير 1993م. مناقشة الماجستير عام 2000م. في أدب نجيب محفوظ :”الفتوة في أدب نجيب محفوظ – دراسة فنية تحليلة” [2].
فى رحلةِ النشرِ: “صدور المجموعة القصصية الأولي : (صدعٌ في جدارِ الذاكرةِ) منشورات صوت الوفد 2000م. تسجيل الدكتوراه في بنات عين شمس 2001م. مجموعة قصصية ثانية : ( هذا الانتظار .. هذا الجحيم ) ثقافة القليوبية 2003م. كلية اﻵداب جامعة بنها قسم اللغة الانجليزية 2004م” [3].
وفى رحلةِ العملِ: سافر للسعودية أربع سنوات من 1994م – 1998م. يعمل حاليا في سلطنة عمان منذ عام 2005م.
البعد الجسدي
نلعبُ المصادفةُ دورًا هامًا فى رحلةِ السفرِ الجويةِ فى بدايةِ القصةِ ، تتواترُ الأحداثُ التى تشى بعملِ كوميدىٍّ بحتٍ ، خاصةً حينَ نشاهدُ القاصَّ يصفُ نفسه بالضخامةِ ، ثمَّ نجدهُ محاصرًا بينَ زوجينِ أكثر سمنةً ، لعلَّ الشكلَ الجسدىَّ للكاتبِ جعلهُ يتحملُ الموقفَ الخانقَ ؛ فما بالنا لوْ أنَّ الشخصيةَ المحوريةَ كانتْ هزيلةَ الجسدِ ؟. أوْ تتسمُ بالبنيةِ الجسديةِ الضعيفةِ؟ فى هذهِ القصةِ الموجزةِ التى تشبهُ عالمًا روائيًا كاملاً بما تحملهُ منْ الهمِّ العامِّ عن : الكتابةِ ، والكتَّابِ ، والأدباءِ.
تعددت الرؤيا حولَ الجسدِ ، و”تظلُّ النظرةُ نحوهُ دومًا نظرةً ثقافيةً ؛ لأنهُ يطرحُ كموضوعٍ ثقافيٍّ ، لكونِ صورتهِ تنتجُ تيماتها حسبَ المناخِ الثقافيِّ الذي تندرجُ تحتهُ ، وما يلحقها منْ جملةِ التصوراتِ قديمها ، وحديثها ، إنْ كانَ منتجًا لها ، أوْ حاملها ، ويبدو أننا نجهلُ الكثيرَ عنْ قضايا الجسدِ ، ومفهومهِ ، وما وجودنا إلاَّ رحلة بحثٍ ، وإعادة اكتشافٍ لهذا الجسدِ الذي يمثلنا ؛ لأنَّ “التيماتِ” الثقافيةَ متغيرةٌ ، وكلما تغيرتْ تبدلَ معَها مستوى إدراكنا للجسدِ” [4].
كما سنرى هيئةَ الكاتبِ ، والزوجين ، وآدابَ الحوارِ فى الرحلةِ الجويةِ ، و”أنَّ الجسدَ يمتلكُ هويةً فيزيقيةً ، قدْ توهمُ باستقلاليتهِ عنْ مختلفِ أشكالِ التمثيلِ ؛ فإنهُ لا يدركُ حقا إلاَّ منْ خلالِ العناصرِ المتوسطيةِ التي تنظمُ علاقةَ الإنسانِ بمحيطهِ الخارجيِّ ، نحوَ: الدينِ ، والأخلاقِ ، وآدابِ السلوكِ ، واللغةِ ، والفنِ” [5].
أولُ ما يطالعنا للعملِ القصصىِّ الجديدِ للكاتبِ” كمال مصطفى جاد” هوَ : “البعدُ الجسدىُّ” للشخصيةِ المحوريةِ فى قصتهِ “حصرى” ذلكَ البعدُ الذى يشرِّحُ الشخصيةَ التى تفجرً الضحكَ يمينًا ويسارًا بحسابٍ ، ودونَ حسابٍ ، ضحكًا مكتومًا تلحظهُ منْ بينِ السطورِ ، لكاتبٍ فى قصتهِ يتميزُ بـ”الضخامةِ” . يحملُ فى هذهِ الضخامةِ الجسميةِ روحًا مبدعةً ، ظلاً خفيفًا يلقى بعناقيدِ الضحكِ كلما تحركَ جسمهُ فى مقعدهِ ، يبصرُ القارئُ الابتسامَ المتفلتَ تلقائيًا منْ بينِ المقاعدِ – رغمَ أنفهِ – وهوَ: يشاهدُ حركةَ هذا الجسدِ الهائلِ فى تكوينهِ الخِلقىِّ ، يظهرُ ذلكَ فى جملتهِ القصصيةِ حينَ يقولُ : “لا أحدَ يجرؤُ على مواجهةِ بركانِ الدهونِ ، واللحومِ ، تسقطُ “مائةُ عامٍ العزلةِ أكثرَ منْ مرةٍ” [6]. فى تناصٍ معنونٍ معروفٍ لراويةٍ تملأُ الآفاقَ ضجيجًا نقديًا فى الشرقِ والغربِ على السواءِ.
الكاتبُ يسخرُ منْ ذاتهِ مرتديًا قناعَ الرجلِ الضخمِ الذى يسخرُ منْ شكلهِ ، وهيئتهِ ، منْ سمنتهِ المفرطةِ فـ “الهزلُ ينشأُ فى اللحظةِ الدقيقةِ التى يشرعُ فيها المجتمعُ ، والشخصُ المتحررين منْ همِّ الاحتماءِ ، والمحافظةِ على نفسيهما فى معاملةِ ذاتيهما ، وكأنهما تحفٌ من التحفِ الفنيةِ” [7].
إذًا “كلُّ تشويهٍ يمكنُ لشخصٍ سوىِّ الشكلِ أنْ يقلدهُ ، يمكنُ أنْ يكونَ موضعَ هزلٍ” [8]. نلمحُ ذلكَ فى وصفِ القاصِّ ببركانِ الدهونِ ، واللحومِ مما يشيعُ الضحكَ منْ خلالِ هذهِ الجملةِ القصيرةِ التى تخرجُ البركانَ المتفجرَ بأصواتِ الضحكاتِ المجللةِ ، لا يتورعُ الكاتبَ أنْ يصفَ شخصيةَ القصةِ بهذا الوصفِ ؛ فهوَ يتركُ شخصيتهُ تقولُ ماتشاءُ ، تفعلُ ماتريدُ ، تخطُ ما تخطُ ؛ حيثُ يجلسُ خارجها دونَ أنْ يتحكمَ فيها.
.
الكاتبُ يخطفُ نفسهُ / الخاطفُ والمخطوف
كيفَ يخطفُ الكاتبُ نفسهُ؟ استطاعَ المبدعُ أنْ يجعلَ منْ جسدهِ خاطفًا ، كيفَ يكونُ الخاطفَ والمخطوفَ فى آنٍ واحدٍ معًا؟. ليسَ خاطفًا يطلبُ فديةً ، أوْ أمولاً ، أوْ طائرةً تقلهُ بعيدًا ، أوْ يغيرُ اتجاهَ الطائرةِ إلى دولةٍ أخرى ، إنها الشحومُ ، والدهونُ ، والترهلاتُ التى تملى على صاحبِها : حجمَ الحركةِ ، طريقةَ المشى ، سرعةً ، أوْ بطأً ، أوْ خطوةً ، خطوةً ، واحدةً .. واحدةً.
تحددُ قدرتهُ الفعليةَ فى المسيرِ الثقيلِ إذا يمشى ، والجلوسِ المرهقِ إنْ قعدَ ، والركوبِ الصعبِ لوْ ركبَ ، والصعودِ الذى يرهقُ أنفاسهُ إذا صعدَ ، والنزولَ المتعبَ إنْ نزلَ ؛ نتيجة ضخامةِ الجسدِ المفرطةِ.
أصبحَ رهينةً فى محبسٍ لا يشبهُ “أبا العلاءِ” لكنْ لحمولةِ الجسدِ الزائدةِ ، كأنَّ السمنةَ هىَ : التى قادتهُ إلى ذلكَ ، جسدٌ يقودُ نفسهُ إلى الحبسِ رهنًا دونَ إرادةٍ منهُ ؛ فهوَ : يشيرُ إلى أعباءِ الحركةِ التى تميزُ الأجسادَ التى تتسمُ بالإمتلاءِ القسرىِّ نتيجةِ الجيناتِ الوراثية.
نحنُ نلمحُ “الجسدَ الذى يطرحُ مسألةَ الوجودِ الإنسانيِّ ، هلْ هوَ بالمادةِ أمْ بالجوهرِ ؟.وما القيمةُ التي يتضمنها ، طارحًا ثنائيةَ : الشكلِ ، والمضمونِ ، مما جعلَ المنظِّرينَ يختلفونَ في كينونتهِ بينَ: حقيقةِ الجانبِ” الفيزيولوجي” والصفاتِ التي نحملها ، والهيئةَ التي نكونُ عليها ، والروحَ التي نحملُ هيَ التي تحددُ قيمةَ وجودنا ، الجسدُ كيانٌ معقدٌ ؛ لأنهُ يمثلُ البعدَ الواقعيَّ فينا” [9]. بضخامتهِ ، أوْ نحافتهِ ، أوْ توسطهِ ، أوْ اعتدالهِ واستوائهِ.
.
العاملُ الوراثى
يقول سقراط :”السخريةُ تنبعُ منْ تجاهلِ الذاتِ”. والقاصُّ”كمال مصطفى جاد” يتجاهلُ ذاتهُ ساخرًا منها مرتديًا ضميرَ الشخصيةِ ، لا يخفى سمنتهُ المفرطةَ ، ممسكًا بقنبلةٍ معبأةٍ ببارودٍ من القهقهةِ ، يرميهاعلى صدرِ الورقةِ لتصلَ إلى عيونِ القراءِ ، وأسماعِهم ؛ فتتعالى تفجيراتُ الضحكِ حاصدةً كلِّ أذنٍ سمعتْ ، وتلذذتْ بهذا الوصفِ الهزلىِّ.
ويقولُ هيجل: “ينشأُ الضحكُ نتيجةً لوجودِ التناقضِ بينَ المفهومِ ، والمعنى الحقيقيِّ الدفينِ الذي يقدمهُ هذا المفهومُ”. وهوَ يشيرُ إلى المفهومِ بـ”المظهرِ” الشيءِ الظاهرِ لنا من الشخصيةِ بأفعالِها ، وأقولِها ، وحركاتِها.
بينما يرى فرويد أنَّ : “الضحكَ ظاهرةٌ ، وظيفتها إطلاقُ الطاقةِ النفسيةِ التي تمَّ تعبئتها بشكلٍ خاطىءٍ” فهلْ سخرية الكاتبِ داخلَ قصةِ “حصرى” منْ ذاتهِ هوَ إفراغُ الطاقةِ النفسيةِ التى تمَّ تعبئتها بشكلٍ خاطئٍ للحالةِ الماديةِ ، وما آلتْ أليهِ الحالةُ الأدبيةِ فى العالمِ العربىِّ ، وتراجع دور الكاتبِ ، وإهمال المبدعينَ الحقيقيينَ.
إنَّ إخراجَ شحناتِ الضحكِ ليسَ مجردَ التفكهِ منْ موقفٍ لحظىٍّ معاشٍ ، بلْ محاولة إذابةَ المتلقى ، وإذابةَ العالمَ فى مواقفَ مماثلةٍ منْ جملةِ “بركانِ الدهونِ ، واللحومِ”.
والشحوم التى أرهقتهُ ، لمْ يستطعْ التخلصَ منها ، آخذًا القارئِ إلى منطقةِ الضحكِ ليريهُ روحَ الرجلِ السمينِ الذى يتميزُ بخفةِ الظلِّ ، معَ الروحِ المرحةِ ، معَ تلقائيةِ الحوارِ المسرودِ ؛ لأنهُ غالبًا ما تتميزُ الأجسادُ الممتلئةِ بإشاعةِ : الفرحِ ، والابتسامةِ معَ خلقِ جوٍّ منْ السرورِ نتيجة حركاتهم المضحكةِ ، أوْ أقولهم التى تأتى مفاجئةً على غيرِ المتوقعِ.
يشيرُ الكاتبُ – ضمنيًا دونَ أنْ يقولَ ذلكَ – إلى أنَّ العاملَ الوراثىَّ لهُ دخلٌ كبيرٌ فى هذا الجسدِ الذى يتحركُ بحسابٍ مرهقٍ ، ويقعدُ بحسابٍ أكثر إرهاقًا ، وينامُ بحسابٍ إجبارىٍّ ، ويغفو بحسابٍ عبرَ الموصلاتِ العامةِ على الأرضِ ، أوْ فى الجوِّ ، أوْ فى البحرِ ، العامل الوراثىُّ – لا دخلَ لهُ فيهِ – يتسببُ فى تفجيرِ الضحكِ المتدرجِ ، والمتصاعدِ ، والمتسارعِ ؛ فيبدأُ بـ البسمةِ فى بدايةِ العملِ القصصىِّ قائلاً :
“ربما هيَ الصدفةُ وحدَها هيَ التي عرفتني عليهِ ، ربما ضخامةُ جسدي هي السببُ ، والذي أصبحُ معهُ رهينةً في محبسٍ” [ 10].
ثمَّ يتجهُ نحوَ التدرجِ ؛ فيعلو الضحكُ علوًا ملحوظًا حينَ يكتبُ : “فجأةً أجدُ رجلاً وزوجتهُ – يفوقاني وزنًا وضخامةً – يهبطانِ بجواري ؛ فأحسّ بأنني انحشرتُ في ماسورةٍ ، أنتحي جانبًا لكنْ لا يفيدُ ، السمنةُ المفرطةُ لثلاثتنا تخنقنا ، أتلقي كوعًا ، كتفًا معَ كلِّ حركةٍ ، نتبادلُ الاحتجاجاتِ الخفيضةَ ، ثمَّ يبدأُ الصراخُ ، والسبابُ” [11]. والخروجِ على الآدابِ العامةِ فى مكانٍ تجتمعُ جنسياتٍ عدة ؛ لكنهُ يكسرها بمسحةٍ من الكوميديا ؛ ليخفى وراءها ذلكَ الفعلَ المشينِ بعاصفةٍ من القهقهةِ.
ثمَّ يتفجرُ الضحكُ تفجيرًا متسارعًا معَ نهايةِ القصةِ – بشكلٍ سلسٍ – لكنهُ الضحكُ الأليم ُ حينَ يوازنُ بينَ نجمٍ غرس اسمهُ فى جبينِ السماءِ ، وبينَ آخر منْ حيثُ مبيعِ مؤلفاتٍ كليهما ، أثناءَ الحوارِ الذى يتسعُ ، متزايدًا ، منفتحًا على فضاءِ الطائرةِ الداخلىِّ فى مقابلِ الفضاءِ الخارجىِّ الذى تسبحُ فيهِ.
.
التعدد المكانى داخل الطائرة
نرى التعددَ المكانىّ يطفو على لسانِ الكاتبِ طفوًا ؛ فيتغيرُ المكانُ / المقعدُ داخلَ الطائرةِ ، أولاً : من الكاتبِ هروبًا منْ مقعدهِ الخاصِّ ، المحجوزِ ، المحددِ سلفًا ، ممنْ هم أكثرُ منهُ ضخامةً ، ووزنًا ، ثانيًا : انتقاله ملبيًا دعوةَ رجلِ أعمالٍ آخر فى مقعدٍ أكثرَ اتساعًا لا يعيقُ حريتهُ ، لا يقلقُ جلستهُ الخاصةَ ، لكننا نرى قبلَ هذهِ الدعوةِ صمتًا من الأخرينَ الذينَ لا يقدرونَ ، بل لا يجرؤنَ على الاقترابِ منْ ضخامتهِ بالقياسِ إلى أجسادِهم ؛ فالرجلُ يفرُّ منْ الذينَ يعيقونهُ فى مقعدهِ ، وبالتالى : منطقيًا فى القصةِ : فإنَّ الآخرينَ لنْ يقبلوا بهِ جليسًا مجاورًا نظرًا للسببِ الذى فرَّ – هوَ – منهُ ، لكنهُ فى نفسهِ داخليًا يرى أنهُ رشيقًا – إلى حدٍّ ما حتَّى ولمْ يذكرْ ذلكَ – إذا قارنَ نفسهُ بالزوجينِ اللذينِ يشعرُ بينهما بالاختناقِ.
.
عالمية الضحك
يتفجرُ الضحكُ تفجيرًا حينَ نسمعُ الكاتبُ يتحدثُ بالعربيةِ ، حينَ نبصرهُ يتكلمُ بالإنجليزيةِ ، حين يردُ بالفرنسيةِ التى نسيها ، تتعانقُ اللغاتُ فى موقفٍ واحدٍ لعلهُ يستطيعُ التواصلَ معَ منْ يجلسونَ جوارهُ فى المقعدِ ، يحارُ القارئُ متسائلاً : كيفَ ستكونُ ضحكتى وراءَ الكاتبِ؟. أوْ وراءَ شخصيتهَ ؟. هلْ سيضحكُ بالطريقةِ العربيةِ ؟ أمْ بالطريقةِ الإنجليزيةِ ؟ أمْ بالطريقةِ الفرنسيةِ ؟.
.
أقولُ لهُ : اضحكْ بالطريقةِ التى تروقكَ ؛ فالكاتبُ كأنهُ على خشبةِ المسرحِ ، والجماهيرُ متعددةُ الجنسياتِ ، متعددةُ اللغاتِ تفهمُ ، تنصت ، أوْ تحاولُ الفهمَ ، تصيخُ ضاحكةً – فى الختامِ – منْ محاولتهِ القبضَ على زمامِ لغةٍ للتواصلِ الآنىِّ فى هذا الموقفِ المتأزمِ فى التعارفِ الاجتماعىِّ فى المكانِ الواحدِ – الذى لنْ يستطيعَ أنْ يغادرهُ إلى مكانٍ آخرَ إلاَّ فى النهايةِ – والرحلةِ الواحدةِ ، والموقفِ الواحدِ.
المتابعُ لقراءةِ القصةِ سيعلمُ أنهُ يريدُ التفاهمَ ، يبغى التخلصَ منْ هذا المكانِ ، رجلٌ ضخمٌ يفرُّ ممنْ هم أكثرُ منهُ ضخامةً ، سيضحكُ المستقبلُ حتَّى لوْ لمْ يعرفْ الإنجليزيةَ ، أوْ الفرنسيةَ ؛ لأنَّ الموقفَ الكلىَّ للمشهدِ القصصىِّ ملئٌ بـ : السبِّ ، مشحونٌ بالشتائمِ ، متصاعدُ الصراخ ، ونتيجة هذا الجوِّ المكتظِّ بالأصواتِ العاليةِ يتفجرُ الضحكُ تفجيرًا من الشكلِ / الهيئة الكليةِ لحوارِ الأجسادِ المتشابهةِ فى الإمتلاءِ ، المختلفةِ فى التعارفِ بسببِ هذا الجسدِ الذى يملى ما يملى منْ مطالبَ حركيةٍ ، والتقاربِ الذى يبدو أنهُ يشى بأنهُ سيكونُ بعيدًا ، والتفاهمِ الذى لنْ يكونَ ، خاصةً هذا التقاربُ الجسدىِّ بينَ رجلِ القصةِ ، والرجلِ ، وزوجتهِ ، سيعرفُ المتلقى أنَّ هذا الحوارَ هوَ : حوارٌ بينَ أجسادٍ غيرِ متفاهمةٍ من الوزنِ الثقيلِ جدًا تستقلُّ الطائراتِ التى قدْ تسقطُ فى أىِّ لحظةٍ أثناءَ الرحلةِ لأىِّ سببٍ.
يصرخُ الكاتبُ مستغيثًا : “أستنجدُ بالمضيفاتِ ، أتكلمُ بـ”العربيةَ” وبـ”الإنجليزيةِ” وبـ”الفرنسيةِ” التي نسيتُها – منْ زمانٍ – أطلبُ منهم تغييرَ المقعدِ معَ شخصٍ أقلّ ضخامةً ، لا أحدَ يجرؤ علي مواجهةِ بركانِ الدهونِ ، واللحومِ ، تسقطُ “مائةُ عامٍ العزلةِ” أكثر منْ مرةٍ” [12 ].
هنا نشاهدُ التعددَ لهيئةِ الأشخاصِ الذينَ يتميزونَ بميزةٍ واحدةٍ ، وهىَ : السمنةُ الزائدةُ بلْ المفرطةُ ، إنِّ الذى يشكو سمينًا يشكو ممن ؟. منْ اثنينِ يفوقانهُ امتلاءً ، وضخامةً ؛ فاللوحةُ تضجُّ بالمتعةِ التى تولدُ الضحكَ لأنَّ المختنقَ / الكاتبَ / الشخصيةَ / يبدو أنها عذبتْ الكثيرينَ – دونَ أنْ تشعرَ – فى مثلِ هذهِ المواقفِ ، أوْ المواقفِ المماثلةِ.
تناص العنوان الروائى
فى جمالٍ أدبىٍّ يتناص الكاتبُ فى ختامٍ المنظرِ الكوميدىِّ معَ كاتبٍ كبيرٍ عالمىِّ ألا وهوَ”غابرييل غارثيا ماركيث”بعنوانِ روايتهِ “مائةُ عامٍ من العزلةِ” التى حصلَ بها على “نوبل”عام / 1982م. وترجمتْ هذهِ الروايةُ إلى ثلاثينَ لغةً ، هذا التضمينُ ، أوْ التناصُّ يشعرنا الكاتبُ أنهُ فى عالمٍ آخر ، أوْ كأنهُ كانَ فى عزلةٍ تامةٍ ، وكاملةٍ عن العالمِ خلال هذهِ اللحظاتِ ، أوْ الدقائقِ التى اختنقَ فيها بينَ جسدينِ ضخمينِ ، لقدْ حوَّلَ القاصُّ الزمنَ القصيرَ ، أوْ الزمنَ الومضةَ إلى قرنٍ بسبِ الموتِ المفاجئِ فى الجوِّ بينَ زوجينِ يتميزيانِ : بأنهما من الأجسادِ الضاغطةِ موتًا.
بينَ غابرييل غارثيا ماركيز وكمال مصطفى جاد
فى مائة عام من العزلة: “تمثلُ فكرةُ الانعزالِ والإغترابِ بشقيها : الماديِّ والروحيِّ مركزَ مواضيع الروايةِ المتعددةِ ، والمحرّكَ الأساسيَ لأحداثِها وأشخاصِها ؛ فبلدة “ماكوندو” الوهمية التي تأسست في أدغال “أميركا اللاتينية” النائية ، والممطرة ترمز إلى القريةِ المنعزلةِ خلالَ العهودِ الإستعماريةِ ، وما أعقبها منْ عهودٍ تبعيّة” [13].
ومنْ قراءةِ الرواية نجدُ أنَّ “في هذهِ البلدةِ تعاقبتْ ستةُ أجيالٍ لأسرةِ “بوينديا” في دوامةٍ من العزلةِ ، والأنانيةِ ، لأفرادٍ منفصلينَ عنْ بعضِهم البعضِ ، ولوْ كانوا يقطنونَ المنزلَ الواحدَ” [14].
ونلحظ أنَّ الكاتبَ “كمال مصطفى جاد” منعزلٌ عن الرجلِ ، وزوجتهِ حتَّى وإنْ كانَ يركبَ معهم فى طائرةٍ واحدةٍ ، وعلى المقعدِ نفسهِ ، الفارق بينَ زمنِ كاتبِنا فى قصتهِ ، وبينَ زمنِ “غابرييل غارثيا ماركيز” أنَّ الأحداثَ تمرُّ أعوامًا متتاليةً ، وراءَ أعوامٍ ، وأجيالٍ ، وراءَ أجيالٍ ، وأحداثًا تتغير ، يتغيرُ الزمنُ فى الروايةِ ، تتعددُ الشخوصُ ، أما “مصطفى كمال جاد”مرت اللقطةُ ، أوْ لحظاتِ الحوارِ كأنها مائة عامٍ لشعورهِ بالموتِ خنقًا بينَ جسدين أكبرُ ضخامةً ، وأشدّ.
القصةُ تتسمُ بسرعةِ الحوارِ ، محملةً بمسحةً من الكوميديا ، مكللةً بالواقعيةِ المريرةِ ، بينما”مائة عام من العزلةِ”تتسمُ بالواقعيةِ السحريةِ ، والقاصُّ “كمال مصطفى جاد”يأخذنا فى بدايةِ القصةِ معَ صهيلِ البسمةِ المدويةِ ، ومنها إلى الهمِّ العامِّ الذى نشعرُ معهُ بمرارةِ الواقعِ ، وتشويههِ المهينِ.
الهم العام للحركة الأدبية
ينفتحُ الكاتبُ منْ داخلِ الطائرةِ جوًا على الهمِّ العام للحركةِ الأدبيةِ فى عالمِنا العربىِّ ؛ فمنْ الفضاءِ يلقى نظرةً أدبيةً فاحصةً منْ الجوِّ على حالِ الأدبِ الأرضىِّ ، والحركاتِ الأدبيةِ برشاقةٍ سريعةٍ فى حوارٍ بارقٍ مبينًا مدى الكارثةِ بينَ : توزيعِ عمدةِ الروايةِ العربيةِ الكاتبِ المصرىِّ العالمىِّ “نجيب محفوظ” وبينَ هذا الكاتبِ الذى قادتهُ المصادفةُ وحدها – أوْ كانتْ الظروفُ الجسديةُ لها شأنٌ كبيرٌ فى التعرفِ عليهِ – لندركَ مدى الحسرةِ فيما آلَ إليهِ أدبُ العملاقِ “نجيب محفوظ” منْ إهمالِ الدولةِ الدعاية لهُ ، والتفنن فى توزيعِ كتبهِ بينَ الهيئاتِ الحكوميةِ ، ومؤسساتِها فى جميعِ أنحاءِ البلدِ.
فالكاتبُ يدينُ منْ طرفٍ الحالةَ الأدبيةَ عامةً ، وعدم اكتراثِها لعالميةِ رجلٍ أشعلَ الأرضَ رواياتٍ فنيةً، صانعًا مجدًا أدبيًا خالدًا لذاتهِ ؛ لأنها لمْ تقمْ بجولاتٍ مخصصةٍ لتعرفَ هذهِ الأجيالُ هذا المبدعَ العملاقَ ، كما يشيرُ منْ طرفٍ خفىٍّ إلى احتكارِ دارِ نشرٍ معينةٍ أعمالَ “نجيب محفوظ”وبالتالى : تنشر أعمالاً محددةً دونَ بقيةِ إبداعاتهِ مما يقللُ حجمَ التوزيعِ ، ويقلصهُ.
ولقدْ “نوهَ الشاعرُ “أحمدُ الشهاويِّ” أنَّ اسمَ “نجيب محفوظ” مستقرٌ كمؤسسٍ ، ورائدٍ ، و”دار الشروق” هيَ : المنوطُ الوحيدُ بنشرِ كتبهِ ، وتسويقِها ، فيما عدا الكتابات النثرية ، ولا تبذلُ أدنى جهدٍ للترويجِ لمنجزهِ ، والتعريفِ بهِ ، لأنهُ اسمٌ لا يحتاجُ إلى دعايةٍ ، وهذا خطأٌ فادحٌ في عالمِ النشرِ ، مشيرًا إلى أنَّ الدارَ اشترتْ حقوقَ النشرِ بمقابلٍ ليسَ مغريًا ، ومنْ ثمَّ ليستْ مشغولةً بتعويضِ ما دفعتْ ، لذا : تركزُ جهودَها على الأسماءِ الأخرى التي دفعتْ لها” [15].
دورُ النقاد
يدينُ القاص “كمال مصطفى جاد” طرفينِ ، الطرف الأول هوَ : النقادَ بوضوحٍ دونَ توريةٍ ؛ فهم يهملونَ المبدعينَ ، لا يهتمونَ إنْ أهداهم المؤلفُ كتابَ عينيهِ ، وشمعَ روحهِ كما قالَ فى قصتهِ: “بعضها هدايا لنقادٍ لايهتمونَ ، لمْ يكملْ التجربةَ” [16].
فالمطِّلعُ على الساحةِ الأدبيةِ ، والنقديةِ ، والثقافية ، قدْ يجدُ “في أحايينَ قليلةٍ أنهُ قدْ يجودُ الزمنُ بناقدٍ حقيقيٍّ ، وهذا بدورهِ يلجأُ إليهِ المبدعونَ ، إذْ إنَّ المسألةَ تبادلُ منافع ، سواءٌ : كانتْ حقيقيةً ، أوْ مزيفةً ، سواءٌ : كانتْ عنْ طريقِ التواصلِ الحقيقيِّ ، أوْ عنْ طريقِ : التدليسِ ، والخداعِ ، وحبِّ المصلحةِ ؛ فهلِ الناقدُ يمارسُ دورهُ بصدقٍ ، وفاعليةٍ؟. أمْ أنهُ يسعى للشهرةِ؟. والمزيدِ من المكاسبِ الشخصيةِ؟ أمْ أنهُ يكتبُ ما هوَ مقتنع به؟. وما يعتقدُ أنهُ يخدمُ بهِ الساحةَ الثقافيةَ؟” [17].
حقيقةً إنَّ “الواقعُ قدْ يشي لنا بأنَّ هناكَ فريقينِ من النقادِ ؛ فمنهم منْ يكتبُ دونَ النظرِ لشخصيةِ الكاتبِ ، وفيهم منْ يسترقُ السمعَ لأيِّ وميضٍ عنْ كاتبٍ مشهورٍ ؛ ليضعَ جهدهُ للوصولِ منْ خلالهِ ، وهوَ: ربما غيرُ قادرٍ على كتابةِ شيءٍ خارج هذا المعنى” [18].
وهكذا “وبشكلٍ عامٍّ نستطيعُ القولَ: إنَّ النقدَ عمليةٌ مطلوبةٌ ، وهامةٌ في الساحةِ الثقافيةِ ؛ فهناكَ الكثيرُ من النقادِ القادرينَ على إبرازِ المبدعينَ بصورةٍ حقيقيةٍ ، وبعيدةٍ عن الانفعالِ ، أوْ الوصوليةِ ، فهلْ يقبلُ النقادُ هذا الكلامَ؟” [19].
جميعنا يعرفُ “أنَّ العلاقةَ بينَ الكاتبِ والناقدِ يشوبها الكثيرُ من التساؤلاتِ ؛ فهناكَ بعضُ الكتَّابِ يتوددونَ للنقادِ بطريقةٍ دبلوماسيةٍ ، وبعضهم ينظرُ للناقدٍ من الجانبِ الشخصيِّ في محاولةِ جذبهِ إليهم لكي يقدمَ ما يشبهُ القريضَ الذي يكتبُ عن القاصِّ ، أوِ الروائيِّ ، أوْ الشاعرِ ، ويحاولونَ إخفاءَ هذهِ الرغباتِ منْ خلالِ مقولاتٍ تقليديةٍ يفهمها الحصيفُ ، كأنْ يقولَ : أنا لا أكتبُ للنقادِ ، بل أكتبُ لعامةِ القراءِ” [20].
كذلكَ يدينُ القاصُّ “كمال مصطفى جاد” الطرفَ الثانى ، وهوَ : جمهورَ القراءِ الذينَ لا يقرؤنَ ، ويتحدثونَ اللغةَ العربيةَ ، لهذا : أتى حجمُ توزيعهِ حينَ نشرَ روايتهُ بالعربيةِ لا يتعدى المئاتِ منْ نسخِ الرواية معنى ذلكَ : أننا أصبحنا أرضًا لا تقرأُ على مستوى الوطنِ العربىِّ ، خاصةً أنَّ ترابها مهبطُ الرسالاتِ ، وتواترُ التشريعِ.
نلحظُ حينَ تمتْ ترجمةُ الروايةِ ذاتها إلى الفرنسيةِ ، وزعَ ما يقربُ منْ نصفِ مليون نسخةٍ ، معنى ذلكَ : أنَّ الغربَ يفوقنا حتَّى فى القراءةِ ، ليسَ فى التكنولوجيا ، والعلمِ ، والفضاءِ فحسب.
هناكَ خللٌ فى عمليةِ الإبداعِ ، تبدأُ من الناقدِ الذى لا يهتمُ ، والناشرُ الذى لا يسعى إلى عملِ دعايةٍ مقننةٍ شاملةٍ لتتسعَ أماكنُ التوزيعِ ؛ فيحقق الكاتبُ الانتشارَ ، وبالتالى : يحصدُ أعلى المبيعاتِ حتَّى وإنْ كانَ المستوى الاقتصادىُّ متدنيًا فى بعضِ البلدانِ.
الترجمة المعكوسة
الكاتبُ فى قصةِ “حصرى” لم ينجحْ فى بلدهِ ، لمْ يوزعْ رواياتهِ ، لمْ يهتمْ أحدٌ بهِ منْ النقادِ ، لكنهُ حينَ ترجمتْ روايتهُ وزعَ فى طبعتهِ الأولى ربعَ مليون نسخةٍ ، حققَ نجاحًا ضخمًا لمْ يحققهُ داخلَ وطنهِ ، يطرح “مصطفى كمال جاد” سؤالاً مهمًا : لماذا ينجحُ العلماءُ ، والأدباءُ ، والشعراءُ خارجَ أوطانهم ؟.
سؤالٌ يفرضُ نفسهُ على أصابعِ صاحبِ قصةِ”حصرى” تلكَ حقيقةٌ مفجعةٌ ؛ فنجاحُ الكاتبِ داخل أرضهِ نجاحٌ مقزمٌ ، نجاحٌ وهمىٌّ ، نجاحٌ غير محسوبٍ ، يتوهمُ أنهُ نجحَ ، فارضًا نفسهُ على الساحةِ الأدبيةِ فرضًا ، هذا وهمٌ كبيرٌ ، الدليلُ هوَ : حجمُ التوزيعِ الذى وزعهُ حينَ تمتْ ترجمةُ روايته التى غيرتْ مركزهُ الاجتماعىّ ، حياتهُ المادية ، أصبحَ منْ روادِ البنوكِ.
لسانُ القاص يقولُ : نحنُ بحاجةٍ إلى الترجمةِ المعكوسةِ ، إلى متى سنظلُّ مستقبلينَ لأعمالِ العالمِ : قراءةً ، وترجمةً ، وتنظيرًا ، والعالمُ لا يعرفنا ، ولا يعرفُ إبداعنا ، سؤالٌ مريرٌ يطرحهُ الأديبُ ، وهوَ يعقدُ مقارنةً ظالمةً لرجلٍ هوَ عمدةُ الروايةِ ، وكاتبٍ عصرىٍّ ربما لا يجيدُ الكتابةَ الكلاسيكيةَ ، وشروطها الصارمةَ ، لكنها الآلة الإعلاميةَ التى ترفعُ البعضَ الرخيصَ ، وتقزمُ قاماتِ البعضَ ، وتهمشُ البعضَ القويمَ ، وتخسفُ الأرض بمنْ تشاءُ حتِّى وإنْ كانَ هوَ آخرَ الموهوبينَ ، وآخرَ المبدعينَ فى هذى الحياةِ.
صناعةُ الكاتبِ النجم
المؤسساتُ خارج بلادِنا تصنعُ الكاتبَ النجمَ عنْ طريقِ : الطباعةِ الفاخرةِ ، جديةِ التوزيعِ الشاملِ ، تواصلِ الدعايةِ المتقنةِ التى تضمنُ لهُ : التألقَ الدائمَ حيًا ، وميتًا ، والاستمرارَ على القمةِ ، والبقاءَ متوهجًا ، هناكَ منْ يقفُ وراءَ الكاتبِ ؛ لأنهُ يؤمنُ بما يكتبهُ إيمانًا راسخًا ، يدركُ أهميتهُ الإبداعية ، يعرفُ مقدارَ موهبتهِ الخارقةِ ، إذا طفا على الساحةِ إذا دعمهُ ناشرٌ موهوبٌ فى أنْ ينثرَ أضواءهُ فى كلٍ رصيفٍ معتمٍ ، فى كلِّ مكتبةٍ صغيرةٍ ، أوْ كبيرةٍ ، فى كلِّ مؤسسةٍ خاصةٍ ، أو عامةٍ ، يقدمهُ للجمهورٍ بشكلٍ جميلٍ مدهشٍ حتَّى يشعُ إشعاعًا على رءوسِ العالمينَ ، وقلوبهم جميعًا ، بشكلٍ فريدٍ نادرٍ ، مميزٍ ملفتٍ.
هنا تتجلى الحسرةُ إذا رأينا أنَّ الكتَّابَ – أيضًا – كالعلماءِ سيولونَ وجهتهم قبلَ الغربِ ؛ ليحققوا مجدَهم الأدبىّ منْ خارجِ أوطانِهم ، وهنا تصبحُ الطيورُ المبدعةُ مهاجرةً ، وإنْ كانتْ بيننا ؛ لأنَّ الناشرَ هناكَ سيحصدُ ما كانَ سيحصدهٌ الناشرُ هنا ، وندرك هنا كارثةَ الكوارثِ ، وهىَ : رحيلُ المبدعينَ مسلسلٌ نازفٌ مستمرٌ فى كلِّ الفنونِ حتَّى وإنْ حلَّ ضيفًا على بلدانِ النفطِ ليوقع عقدًا حصريًا لأعمالهِ مما جعل الكاتب يشعرُ بالتقزمِ منْ حجمِ توزيعهِ الذى يفوقُ “محفوظًا”.
تعددُ الحوارِ السردىِّ
الحوارُ داخلُ القصةِ دارَ بينَ الكاتبِ الملئِ ، والرجلِ وزوجتهِ ، ثم ارتفاعُ الحوارِ وتغير لهجتهِ إلى السبابِ ، والشتائم فى تدرجٍ واضحٍ ، ثم حوار العيونِ الصامتةِ التى لا ترغبُ فى استضافتهِ جوارهم فى مقاعدِهم ، وكأنهُ احتجاجٌ صامتٌ من الركابِ جميعهم ، ثم ينتقلُ الحوارُ بينهُ وبينَ المضيفةِ ، ثم يدورُ بينهُ وبينَ الكاتبِ للتعارفِ ، ثم الحوارُ بينَ الكاتبِ الذى أصبحَ يستقلُّ مقاعدَ رجالِ الأعمالِ منْ حجمِ مبيعاتهِ وبينَ المضيفةِ التى حدثها بفرنسيةٍ رائعةٍ ، ثمَّ الحوار الداخلىّ بينهُ وبينَ نفسهِ ، وهوَ يعقدُ مقارنةً باطنيةً بينَ توزيعِ صاحبِ نوبل”نجيب محفوظ” وبينَ صاحبِ الدعوةِ الذى لبى دعوتهُ ، ثم استئناف الحوار مختتمًا قصتهُ بسؤالهِ عنْ وجهتهِ.
تلاقى اللغات واللهجات
نرى حضورًا ملفتًا للغةِ العربيةِ المفاجئةِ على لسانِ أشخاصِ العملِ القصصىِّ ، وحضورًا للفرنسيةِ ، والإنجليزيةِ فى لقطاتِ القصةِ المتتاليةِ ، كذلكَ يدهشنا الكاتبُ بتلاقى هذه اللغاتِ مع اللهجاتِ حيثُ نسمعُ اللهجةَ العاميةَ المصريةَ ، واللكنةَ الجزائريةَ ، واللكنةَ المغربية ، الأجمل منْ ذلكَ كلهِ : أنهُ لم يستخدمْ فى القصةِ أىَّ لهجةٍ منْ هذهِ اللهجاتِ ، سواءٌ : فى كلمةٍ ، أوْ فى كلمتينِ ، أوْ فى مفردةٍ ، أوْ مفردتينِ ، أوْ فى جملةٍ ، أوْ جملتينِ كحتميةِ حوارٍ كما فعلَ فى بعضِ قصصهِ مقوسًا حولها ، أوْ مشيرًا إلى تنصيصها.
ضخامة الشخصيات
تتجلى الضخامةُ فى كاتبِ القصةِ نفسهِ ، فى الزوجِ ، وزوجتهِ كأبعادٍ جسمانيةٍ مرئيةٍ تتسمُ بالوزنِ الثقيلِ ، كذلك تتضحُ كصفةٍ اجتماعية للمالِ ، والنقلة الماديةِ حين يقارنُ القاص بينَ ضخامةِ توزيعٍ الذى استضافهُ ، وبينَ مبيعاتِ “نجيب محفوظ”. هلْ نستطيعُ القولَ : إن ضخامةَ شخصيةِ الكاتبِ – فى القصةِ – تشيرُ إلى ما يحملهُ منْ همِّ خاصٍّ ، وعامٍّ عنْ : الكاتبِ ، والكتابةِ فى مواجهةِ ضخامةٍ أكثر وزنًا تشيرُ إلى مواجهةِ العالمِ المتضخمِّ الذى يحاصرُ الآخرينَ حتَّى الخنقِ ، والموت؟ ربما ، لِمَ لا؟.
مأخذ
مأخذُ يسيرٌ على ترتيبِ الجملةِ ، وصياغتها التركيبيةِ ، يقولُ الكاتبُ :”يعيدُ طبعَها مراتٍ ، ومراتٍ بسببِ تغطيةِ ، ومتابعةٍ منْ صحفٍ ، ونقادٍ ، وشركاتِ ترويجِ”. والصياغةُ المقبولةُ تكونُ “بسببِ تغطيةٍ من الصحفِ ، ومتابعةٍ من النقادِ ، وشركاتِ الترويجِ”.
1 – صفحة الكاتب الأستاذ Kamal Mustafa Gad
2 – المرجع السابق.
3 – نفسه.
4 – سيمائية الجسد – مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير فى الآداب واللغة العربية – تخصص النقد الأدبى – إعداد الطالبة: إيمان تهامى – إشراف : نصر الدين بن غنيسة ص20 – 2012–م – 2013م. بتصرف.
5 – المرجع السابق.
6 – قصة “حصرى”. انظر الصفحة الشخصية للكاتب Kamal Mustafa Gad.
7 – الضحك – هنرى برغسون – ص 20– هنرى برغسون – ترجمة : د. على مقلد – المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع.
8 – المرجع السابق.
9 – سيمائية الجسد فى رواية أحلام مريمة الوديعة لـ : واسينى الأعرج – ص 18- مذكرة مقدمة لنيل درجة الماجستير فى الآداب واللغة العربية – التخصص : النقد الأدبى – إعداد الطالبة : إيمان توهامى – إشراف : نصر الدين بن غنيسة – 2012م – 2013م.بتصرف.
11 – قصة”حصرى”.
12 – المرجع السابق.
13 – الحوار المتمدن – حبيب فارس – دراسة حول رواية “فى مائة عام العزلة” – العدد/3355 – 4-5- 2011م. محور الأدب والفن – بتصرف.
14 – المرجع السابق.
15 – دوت مصر – كتبت ياسمين المساوى – الأسباب الحقيقية لتراجعِ مبيعات نجيب محفوظ – رئيس التحري رشا الشامى – السبت 30 أغسطس 2014م.بتصرف.
16 – قصة”حصرى”.
17 – اليوم – جريدة سعودية – من يستفيد من الآخر: الناقد أم الكاتب؟ – الدمام – عيسى المزمومى – جعفر الجشى – اليوم – الموافق الاثنين – 18 أغسطس – 2003م- العدد 11021 – بتصرف.
18 – المرجع السابق.
19 – نفسه.
20 – نفسه.

