كان مستلقيًا على ظهره المقوس فوق أريكته المتهالكة , بمدخل العقار .. محل عمله كعادته يرتقب انبلاج الصبح على مضض .
مع شقشقة الصبح دخل حجرته الضيقة بعدما دبت الحياة فى الشوارع والميادين المحيطة .. تناول بعض اللقيمات لتقيم أَودَهُ على عجل .. أشعل سيجارة تلوَ الأخرى .. دخانُها المتصاعد بلا توقف يعبق سقفَها المِنْخَفِضَ بسوادٍ كالحٍ .
كان فؤاده منشغلًا بانقشاع حالة الكساد الضاربة بكل شىء من حوله .. رغم إيمانه العميق بأن الرزق بيد الله .
ينقله أَنين أَطفاله من فكرة إلى أخرى .. كيف يمكنه كسب لقمة عيش إضافية مع (خفارة) تلك العمارة , والتى دله عليها أحد أبناء نجعه , والذين برعوا فى هذا المضمار .
لم يهتدِ إلى مهنة أخرى تمكنه من ذلك ، منذ هاجر أبوه وغالبية أهل النجع ببلادهم النائية بجنوب الصعيد للقاهرة .
قنع بما هو فيه .. دعا ربه بانقشاع تلك الغمة .
ــ قبل سقوط أول شعاع لقرص الشمس يكسر جدران ليل الشتاء الطويل .. علا صوت تحركات تشكيلات الأمن المركزى فى الشوارع الجانبية المؤدية للميدان الكبير .
اصطف الجنود بمحاذاة بوابة العمارة .. ظهورهم للحائط , ووجوهم فى اتجاه الشباب المتظاهر بالميدان .
ــ صعد لسطح العمارة زيادة فى البعد عن القيل والقال .
دون قصد منه حرك ذراعه الأيمن بحركة غير إرادية فى محاولته لملمة بعض النفايات المتواجدة بجوار سور السطح عله يجد وراءها ما يسد حاجته .
صدم ذراعه عرق خشبى كان يستند على عرق آخر يحمل {منشرًا} حديديًا .
سقط العرق الخشبى بما كان يحمل من حديد وغسيل فوق التشكيل المصطف تحت العمارة المتحفز بتعليمات صارمة لضرب المتظاهرين بالميدان بالقوة .
سقط فوق رأس قائد التشكيل الواقف خلف الصفوف .. أرداه قتيلًا .
انفض التشكيل فى لحظات كحبات مسبحة انقطع حبلها في يد شيخ وقور .. تركوا الميدان على الفور .
هبط {الخفير} أمام العمارة بعد انفضاض طوابير الأمن .. هتف الشباب المتظاهر بشدة ـ للبطل ـ الذى صرع قائد التشكيل , وطالبوا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية .. حملوه فوق الأعناق .. راح يهتف معهم .
- ثائر رغم أنفه
- التعليقات


