(1)
وتوالت سنواتك العجاف، ما معنى أن تدعي أنك هجرت فن الكلمات المبهمة، والأحلام البنفسجية، و زهدت في دنيا الوهم و الكذب. نضب معين ذاكرتك الخصب وجف مداد الحروف ، ما عادت تلافيف مخك اليابسة تساعدك على ممارسة فن نحت الكلام على أديم الشمس، و صمت الصخر. تنادي تصاوير من رحلوا …. وتصاوير من حضروا … وتتصاعد نوازع الشوق لأشخاص خيالاتهم كدخان السجائر يعبق في كل زوايا قلبك.
معركة مجهولة المعالم أسلحتها …. دموع، حنين، شوق، نار، تكوي أعصابك ….. و النتيجة واحدة …… موت روح …… و جسد بلا مشاعر، نهاية الحرف ، بداية كلمة، و أخر سطر في دفتر الأيام …. حكاية …. رقم ……. لا تتذكر، أو تتناسى حقيقة وجودك. نتقابل مجرد صدفة ، أو لقاء عابرا لا أكثر …. نعود لنختبئ في قوقعة الكلمات الذابلة خلف أحلامنا الهرمة …… طيف واحد ….. على مفترق طرق …. يعود بك إلى الوراء ألف سنة … لتتقصى حقائق و صور و معالم …… لذاتك الضائعة .
(2)
تاهت أفاق الكلمات على الشفاه الذابلة ، جلست وحيدا ، أهدهد أغنية حب قديمة ، كانت و لازالت العجائز ترددها.. بيدي المرتعشة ، أمسكت قلمي ، و أعلنت له تأيدي في جريمة سلب عذرية الأوراق البيضاء ، المبعثرة أمام سطوة أفكاري المجنونة …… أنامل حبات المطر ، تنقر بخفة على قلب نافذتي الزجاجية ، أجواء سيمفونية الرعد و البرق تطلق العنان لنفسها معلنة التمرد و العصيان على نواقيس أمنا الطبيعة.
في غرفتي الصغيرة ، كل شيء تشبه بالموت ، فأشيائي ماتت فيها الحياة قبل أن تولد ، لا تتحرك من مكانها إلا بمعجزة ألهية …… هجرتني القصائد و الكلمات الساكنة ، لجأت إلى الرموز و الأساطير و لكنها رفضتني …… في تلك الغرفة ، سكون مخيف ، يملئ الأجواء ، رهبة و انعزالية و فوضى ……. إلا طائر الكناري ، الذي قرر بمحض إرادته ، أن يكون رفيق عزلتي ، بعض أزهار البيلسان و النرجس ، و أقاصيص الهوى المزروعة على شرفتي التي يداعبها ضوء القمر بحياء ……
عند المساء أفترش من أحلامي المبعثرة ، سجادة من بلاد فارس ، لأمارس طقوس عبادتي بنفحة عشق صوفية ، لا تخلو من طابع الإيمان ، بأن الغد سيكون أجمل من اليوم الذي قد غاب في رحم النسيان ….
انتظر موعد ، المعركة الأزلية ، بين روح الشمس و جنون القمر ، دائما تبدأ المعركة بقبلات و عناق خفي ، ثم يبدأ الاستخدام اللامشروع لكافة أسلحة العشق و الغرام …. تخرج الشمس من معركتها منتصرة ، تسحب بفخر ردائها ، تاركة القمر يلملم أشلاءه المتناثرة ، يضمد جراحه النازفة ليتنازل عن عرشه لجلالة الشمس المنتصرة ….. ولكن ما أن يستعيد عافيته ، و بحركة مفاجئة ، ينتقم منها بشكل جنوني و حقد لم ير له مثيل ، فيبدأ الطعن و القتل …. لتنعي أجواء الغروب ، روح الشمس ، وين مراسم تشييع شهيدة الأيام إلى مثواه الأخير في قلب البحر الدافئ. تعلن الدنيا كل يوم حالة الحزن و الحداد ، فترتدي ثوب الغياب ، مخضبة شعرها بلون الشفق ، لأودع الأحلام العابرة عند كل مساء ……….
(3)
تتخبط أفكار الموت في رأسي ، و سؤال مشرد ، يرافقني في رحلة البحث عن ذاتي …… هل تتساقط أوراق الخريف عصياناً و تمرداً ، أم أن الأشجار ترفض أن يرافقها أحد في رحلة حجها الشتوية، أنها تريد أن تتعرى من آثامها ؟؟.
أرسم على ورقة صغيرة ، غيمة رمادية، تبكي دون دموع. شجرة عقيمة ، في فصل ربيع ، رفضت أن تتلقح ، حتى لا تتهم بالبغاء. باردة أنامل الخيزران ، مثل قلبي الذي تقسو عليه أفكار الزمان. أيعقل أن تتراكم أفكار الإلحاد و الجنون ، في عقل طفل صغير ، يرضع من ثدي الحياة لبن المحبة و الأيمان …. مرّ الزمان على آخر كلمة بعثرتها حبات الرمال ، كبيرة هي صحراء آلامي ، نزفت جروحي ، سيطرة الرهبة و الخوف على أحاسيسي و أفكاري …. لأول مرة في حياتي ، أخشى أن تحين ساعة لطالما تمنيت حدوثها ، و لكن اليوم لا أدري ، ماذا حدث فجاة ، تلبدت الأفكار ، و اختلطت المشاعر ، و كأن الشيطان مسها ……
أتقتلني الوحدة العمياء ، أم تزيد من صلابة إيماني ، ملتني الأوراق مرة ، ماذا حدث لكلماتي و عباراتي بعدها ، هل زادت قوتها ، أم اعتراها الوجل …. بكاء قلمي الذي نذر نفسه أمين أسراري ، توقف فجأة أمام عينيك ، أنين دواة الحبر ، سكن بعدما بحت بأشواقي ، ماذا حدث لي ، و ما الذي سيحدث ، لا أدري . ولكن أعرف أن حياتي انقلبت رأساً عل عقب ، منذ أن دخلتي حياتي قلبي يعشقك ، و يهواك ، فأنا بدونك جسد بلا روح و قلب بلا نبض ، فلا تتركي قلب اتخذ من حبك ديناً له ، حتى لا يعود إلى حياة الكفر و المجون …..
(4)
أرسم أحلامي على نعش ذاكرتي ، فالموت قريب مهما بعد ….. ارتل سور من القرآن ، أنشد قداديس و صلوات ، أسافر في متاهات الكون باحثاً عن ديانات و معتقدات جديدة ، تأخذني إلى المجهول . كفى صخباً ، فالحياة ملتني ، لغة الحروف طردتني من قواميسها ، فالهدوء أجمل لحظة يحيا فيها صمتي ، حروفي المنتصرة على بنات أفكاري ، تتزين بأكاليل الشوك.
هل كان نيرون يعبث عندما أحرق روما ، أم أنه كان يفكر كيف ستكون الياة في جهنم. بماذا كان يفكر ، أكان مجنوناً أم كان مخموراً لا يدري ماذا يفعل أو تصنع يداه. في إحدى زوايا البيت العتيقة ، جلس قلبي يبكي وحدته ، لم اسمع صدى بكاءه ، فأجواء العيد طغت على صمتي ، ماتت كلماتي ، عندما لمس قلبها الشتاء بهالته الضبابية. كم أنتِ قريبة أيتها الشمس ، ولكن رغم ذلك لم تذهبي الثلج المتراكم على صدري ..
تودع الاحلام صمتي ، وتمضي بعيدة عني ، شاردة الذهن ، لم تسعفني ذاكرتي في تلك الساعة نلتقي لتشهد الدنيا ، بأننا طيف واحد ، ينتظر حافلة إلى درب اللانهاية ، نتبادل كلمات ساكنة أدفن مشاعري ، أتظاهر بالعفوية.
لأول مرة في عمري أكشف جميع أوراقي ، أسدل ستارة الجرأة على قلبي الخائف و امضي. أخرج عن النص ، و انطق بكلمة ترددت في قولها لأي حواء من قبل ، و لكن لست أدري لماذا اليوم ، و دون أي مقدمات أو تردد ، قلتها ……؟؟. ما سرك يا حلوتي ، بأي قوة أو سحر تتمتعين ، لماذا تتساقط جميع الأقنعة دفعة واحدة عندما أراكِ؟، لماذا ……؟. لا أجد أي جواب يسعفني ، فكل الأسئلة عقيمة ، تزيد من حيرتي و جنوني. حقيقة واحدة تتجول في عقلي تقول لي:
– لا تكذب على نفسك، فهي أصبحت ملكة على عرش قلبك طوال عمرك …
(5)
عند أعتاب مرحلة جديدة ، يقف الإنسان عاجزاً ، حائراً ….. ، فخط صغير ، يفصل بين العودة و اللاعودة ، بين الإقدام و الإحجام. تتخبط أفكاره بين أخطاء المرحلة السابقة و المرحلة اللاحقة ، يحسب الأخطاء التي ارتكبها ، ليتجنب الوقوع بها في الخطة الجديدة …. هي حالة عشوائية تتناثر فيها الأفكار ، تختلط فيها المشاعر و الأحاسيس ، فذاك الخط الفاصل ، يعيد ترتيب كل شيء … الأفكار الفوضوية ، تتحول إلى وقائع إذا ساندتها أيادٍ خفية سنسميها مجازية ( القدر ) ، و لكن إذا تبعثرت الأحلام فجأة منا ، في صمت التفكير ، و دوامة التردد و القيل و القال ، فكيف ستكون الحياة ….. أيزيد إصرارنا على الحياة أم نستسلم و نرفع الراية البيضاء ، و نتقبل كافة الخدع و الأوهام.
هذه هي الحالة البدائية ، التي تصيب كل حلم لم يكتب له الاستمرارية الجزئية ، على دفاتر الأيام الضائعة ، لماذا ؟؟؟؟؟، لأن الوقائع خذلته ، و وقفت في جبهة مضادة …. بين الممنوع و المرغوب ، فواصل راحة و مهمشة ، و ساحات قتال ، فكما يقال : ( كل ممنوع مرغوب ) ، فالعشق عندما يصبح ممنوعاً ، و يتذرع من نهوى بالآلاف من الحجج الواهية يصبح حبنا رسماً على شاطئ رمال ، اتخذته الأمواج مضمار لممارسة فن الرقص العابر عندما يبكي الصمت دون أن نسمح لدموع الكلام بالخروج من قوقعة الألم ، تصبح الآه في قلب يذبح كأضحية على محراب العشق ، أجمل أغنية تترد بصمت في قرارة الأمل دون هوادة.
أن يصل الإنسان إلى أقصى درجات الضعف ، و فجاة دون سابق إنذار ، يعود لينهض من جديد ….. هنا تتوقف الحياة لثواني و دقائق ، لتصفق الدنيا لقلب ولد من الرماد ، و عاد بكل قوة ليواصل مشواره ، إلى أن يصل لهدفه المنشود ، عندها نعرف أن بداخل كل إنسان طائر أسطوري اسمه ( طائر الفينيق ) ، الذي يحكى انه يعود إلى الحياة من رماده …
(6)
ها أنت تلملم أوراق الشتات المبعثرة في فضاءات الحنين ، و تقرر الرحيل عن عالم الزيف مرتدياً عباءة اليأس ، و تولي وجهك شطر أرض الحرمان الأزلي .
صوت من بعيد ، يخرجك من حالة الحزن اللامتناهية ، تقف …… تلتفت ….. لترى طيف أنثى ينتظر عند مفترق طرق الأمل العابر ، للوهلة الأولى ، تعتقد بأنه ليس إلا سراب أو خيال يتراءى لك ، لأنك تفكر فيها كثيراً ، لدرجة الجنون ….
يقطع قلبك عليك ساعة التخيلات ، و بطريقة لا شعورية تتحرك قدماك نحو ذاك الطيف ، تلتقي من يديك أوراقك و أحلامك البالية في الهواء ، لتعود إلى طابع الفوضى النرجسية …… تقترب أكثر ……. ترى من بعيد ، ذلك الوجه الذي أبدعه الخالق ، ابتسامة ساحرة ، ارتسمت على شفاه اللوز.
و ها هي تكبر …… و تكبر …… تنطلق قدماك بسرعة أكثر ، لا شيء يقف في طريقك ، تعبر الشارع كالمجنون ، لا يهمك الحافلات و السيارات المسرعة ، المهم أن تصل إلى هدفك المنشود ….. ، و كأنك في حالة مد و جزر ، فاصل ضغير يفصل بينك و بينها …… حنين مستمر ، يلهب صدرك ، يجبرك على المضي قدماً ، دون أن تنظر إلى الوراء ، تاركاً أوراق الوجد تذروها الرياح.
الصوت الذي يناديك يعلو ، و الابتسامة أصبحت ضحكة ، و تلتها ضحكات ، و ها أنت تقترب أكثر …
الطيف لم يعد سراباً أو خيالاً ، كما كنت تظن ، أصبح حقيقة ، بل معجزة في زمن اختفت فيه النبوءة و ضاعت المعجزات ….. وصلت … لتبدأ رحلة اخرى ، كلمات السلام ، لا تعبر عن شدة الشوق و الحنين ، السكون يطغى على شاعرية الأجواء ، الناس لم يعودوا موجودين بالنسبة لك ، هم أشباه دمى تتحرك ، تخضبت الكلمات بلغة الصمت الهوجاء ، لم تعد الأبجدية على حالها ، فحروفها قررت الانتحار ، أمام محراب عينيها ، تحولت الكلمات إلى نظرات ، و النظرات إلى عبارات لتكتب أجمل القصص و الحكايا، لتخبر الدنيا عن قصة حب ولدت من رحم دفاتر الأيام …..
(7)
حقاً ، انه الجنون بعينه ، أن تغيبي وراء الكلمات ، و أنا أجلس منتظراً أن تحين ساعة اللقاء.
لم يخامرني الشك بأنها ستكون النهاية ، أن تضيعي وراء المعاني ، و أنا أبحث عن أي درب يوصلني إليك ، و أن أبحث عن ذاتي من خلال عينيك ……. فيأتي اليأس ، و يستوطن قلبي ، و أدرك بأنني أبني قصراً من الرمل ستهدمه الرياح بين الفينة و الأخرى ….. أنه الجنون بعينه ، بعد أن تطول مدة الغياب و يحن الهاتف لسماع صوتك ، و فجأة و دون سابق إنذار يفوح عبير موعد ضائع ، لتعودي من جديد لتمليء حياتي سعادة و أمان … لأرسم من أحلامي حقائق و معجزات ، لأرقص في فضاءات الكون ، كطائر عشق يبحث عن قلب يحضنه و يحميه.
أهذا هو الجنون ، أم أنه …. ، لا أدري ، ما هو …… أحقاً أنتي مجنونة ، أم أنك تريدين أن أصبح مجنون فيك ، لم أعتد أن التعامل مع أنثى فاقت التصور ، مع أنثى لم يوجد لها مثيل، مع انثى جمعت النقص و الكمال ، العقل و الجنون ، الحكمة و الخيال … لم أعرف أنني إذا أحببتك ، سأخلق من جديد ، أم أموت كل مرة ، ثم أحيا من بعد اللقاء … أنه الجنون حقاً ، أن تدرك بأنك تهوى أنثى لم تعرف إلا في كتب الاساطير ، أنثى مجنونة تسافر بك أصقاع العالم ، بنظرة أو نظرتين ، تقتلك ثم تحيك ، تحلق بك إلى مواطن النجوم ،ثم إلى صدر الأرض تلقيك … لم أكن أتخيل يوماً ، بأنني بالأوهام سأتعلق ، و بأنني سأنسج من الأحلام قصراً ، أسكن فيه ، و أروي قصص و حكايا ، و أصاب بنوبات هلوسة و جنون.
لم أكن أتصور بأنني يوماً سأبقى أنتظر عند أحد المواقف ، طيف أنثى ليمر بجانبي ، و يأخذني، لا يهم إلى أين ، و لكن المهم أن أبقى مع طيفك أنتي و لا أحد غيرك …..
(8)
خطوة أو خطوتين ، تقف ، تلتفت إلى الوراء ، لينزعك حنين دائم إلى الماضي ، لتستولد من رحم الذكريات عبارات معطرة بأريج اللقاء ، لتبحث في قواميس العشق عن كلمات تناسب لحظة شعرية ، عبقت برائحة الياسمين ، ألهبتها القبل و العناقات. هو الحنين نفسه ، الذي دائماَ يجبرك على الرجوع ، لتفكر و تحسب أخطاءك ، مرة أخرى ، فلعلك كنت أو تكون او ربما ستكون مخطئاَ …… لا يهم ، ولكن أن تجد سبب واحد ، حجة أو برهان ، يدل على خطئك ، ألا تحتسب من الرجولة أن يعترف الإنسان بخطئه ، و لكن ماذا ستدعى حينها ، عندمت يصبح الخطأ هو فعل الصواب ، أو كيف للكذبة أن تصبح حقيقة ؟؟!
أليس هذا هو الجنون حقاَ ….؟؟؟.
عندما تهب رياح الشوق على قلب وله ، تعتقت فيه الجراح ، يرسم على جدران الزمان آلاف اللوحات ، لتصور قصص حبه و عذابه ، أما حان لقدره المشؤوم ، أن يريحه من المعاناة ، أم أنه كتب عليه ( مثلي ) الشقاء و طول الانتظار ، فسيبقى عل حاله إلى يوم يبعثون ….. لنفترض بإن مملكة العقل و القلب في يوم ما توحدتا ،و انصاع القلب لحكمة العقل ، و كبح العقل من رعونة القلب ، أما كان أفضل لو أن القلب عمل و لو لمرة تحت إدارة العقل ، و رضخ كل الرضوخ ، كيف كان يمكن أن تكون الحياة …
هل كنا سنرى مجموعة بشر حكماء ، أم مجرد دمى أو حتى بشر سلخت منها المشاعر و الأحاسيس ، فيصبح الحب بحكمة و العشق بحكمة ، و يختفي ذلك الحب المجنون ، لتحن البشرية لعشق يحمل في طياته نزعة الثوار ، و براءة الاطفال ، و طيش الشباب.
(9)
تتجول الكلمات على غير عادتها ، في ذاكرة الغبار ، و ذ لك الطيف العابر ، كفراشة تتراقص على أنغام أغنية طائر شجي الصوت ، شردته الجراح ، لم يعد كما كان ….. و دعّ دفاتر الأيام ، وقرر السفر بعيدا ً، سرقته أقاصيص الهوى المزورة ، عن عالم الوقائع الجزيئة ….. نقش على قطعة رخام حرف ، لم يشاء قدره العابث ، أن يدعه يكمل بقية الحروف …. أيعود مركب ، قرر الإبحار في ليلة عاصفة هوجاء – مثل قلبي – من المجهول ؟؟؟.
أكتب على ورقة مهمشة ، رسالة إلى وجه القمر ، أمزقها ، أبعثر صمت حروفها الأزلي. .
تنتفض المشاعر من تلقاء نفسها ، كطائر مذبوح على مذبح أبجدية العشق الأعمى …. أصداء عزلتي ، تزيد من قلقي ، غربتي ، وحدتي ، و شقائي …
تنام أحلام المطر ، في دنيا الشتات الحالمة ، على شفاه وردة حب ندية ، اعتراها الصمت و الخجل ….. تنهدات صدر اغتصبه اليأس ، مقتلعاً نوازع الحنين من جذورها ، أصابت قلبي بالصمم.
كم تعبت الليالي من كثرة سهري ، كم تعبت سجادتي من كثرة صلواتي ….
كم …. كم ….كم ….
إلى أن انتهت مني كل أخطائي ، فلسفتي ، جنوني .. و إلحادي … بعثرت الرياح أوراقي ، زرعتها في دنيا الحرمان ، جلست وحيداً ، أبكي معتصراً الآمي ، أفتش عنها ، و لكن لم أجدها فالقدر غيبها عني مرة أخرى …. انتظرت رحلة الصمت المسافرة إلى عالم البوح الصاخب …. لم تتحدث عنك قصائدي …. أو كلماتي ، لم أشبهك يوماً بآلهة الحب أو الجمال ، لم أعشقك يوماً من الايام ، و ما أبكاني حنيني إليك ، و لكن عشقت عذاب البعد عنك ، و لوعة الشوق لرؤيتك ، لم أعشقك يوماً في حياتي ، و لكن يا سيدتي كنت بعد الله أعبدك رغم إيماني …..
(10)
هي لحظة من أصعب اللحظات التي تمر على الإنسان عندما يعتقد بأنه وصل إلى مرحلة أو درجة معينة من الفهم ، ليكتشف أسرار غموض الحبيب ، ليتفاجىء ، بأنه لم يفك أو يترجم رمز من رموز حبيبه الأسطورية. أحياناً يكون علينا من السهل ، أن نتقبل الحبيب كما هو ، دون أن نحاول سبر خفايا ذاته و البحث وراء المفردات الضائعة.
عندما تعشق أنثى ، تكون توأم الجنون ، أو تكون هي الجنون ذاته ، فكيف ستفهم أو تفسر سلوكها ، و هل يمكن التنبوء بتصرفاتها كيف ستكون ، و من منا يستطيع التحكم بعاصفة هوجاء ، تقلب الدنيا رأساً على عقب ، تدمر كل شيء يحيط بها ، مثلما دمرت مجنونتي كياني ، و خلقت من حياتي موتاً ، و من موتي لحناً ، سأبقى أردده على مر العصور …. هذه هي الحقيقة المجهولة ، التي لطالما رفضتها ، و ترفض التعامل معها ، مفضلين أن نحيا في دوامة كذبة صغيرة ، تشعل قنديل أمل هارب ،في ظلمة عمرنا المنهر كحبات المطر في الصحراء …… لهروبي الأزلي نكهتان ، هروب بنكهة الأمل ، نحو المستقبل ، ناسياً ذكريات الماضي ، و هروب بنكهة الحنين ، نحو الماضي ، قلقاً …. خائفاً… من مفاجأت المستقبل …… هل من الأفضل أن تحيا في عالم الوقائع ، غارقاً بتفاصيلها الدقيقة ، أم أنها مجرد أوهام الماضي ، تطردك لتحيا في عالم الحاضر ، ناسجاً أحلام غائمة ،لتدفعك دفعة قسرية ، إلى عالم المستقبل ، الذي بدوره يصدك بقوة دافعاً ، إياك بالعودة من جديد إلى ماضيك المهترئ اليأس ….. تلملم أشلاءك ، وتنذوي في إحدى الزوايا الضائعة المعالم ، تروي قصص و آلاف الحكايات على أذنيك ، لتنتشلك من وحدتك القاتلة ، و صمتك الهيستيري ….. فالصمت في وحشة الليل مخيف ، و لكنه أحياناً يكون أفضل معيرأ ، عن أسرار لوحة مجهولة الهوية ، مثل حبي و قلبي الذي سُلِبَ منيّ … هذه هي حكايات حبي الليلية، تتعتق كل يوماً بأجواء الشتاء الرومانسية، و زهر البيلسان و حبات المطر …… لا أنا، إلا أنا أفكر في عشقي المجنون، وهوسي المجنون، و أسطورة حب لأنثى مجنونة، اتخذت من الجنون، مذهباً و ديانة لها …. و أصبحتُ بحبها و عشقها …. أسيراً ….. و مجنون …..
(11)
ما زالت فوضى الخريف ، تتعتق في قلبي المجنون ، تسافر كلماتي في صحراء المفردات ، تروي ظمأها بماء بحر لا يزيدها إلا عطش ، باحثة في الأفق عن ملاك يريحها من عذابها. هل نأخذ حكمتنا من فم دواة حبر ، أم من قلم مجنون يهذي ، يخربش على دفاتر الأيام المبعثرة .
أعزف ثلاثون لحن لأغنية حب شرقية ، أنشد صلوات عشق لرسولة خوفي و ملاك عزلتي. أصعد إلى هاوية أخرى ، أخذ من صدري ضلعاً ، أرسم على صفحة الشمس ، لوحة لأنثى خلقني الله ، أبحث عن ذاتي فيها ، لأرى فرحتي في عينيها ، لأسافر في تخيلات عقلها ، كفكرة مجهولة تنتظر الولادة .
أتخطى حواجز الخوف ، بعد أن طال صمتي ، ألعن موتي عندما طأطأت له رأسي ، و قال لي:
اليوم سآتي ، فانتظرني ، و لا تنم باكراً ، و أقم حفلة عشاء ، و اسكب لي قدح من طهر آثامك …..
و انتظرتك طويلاً …. ، و لم تأتِ ….
هل تاهت بك دروب الحياة ، فما عرفت الطريق إلى قلبي ، أم قررت أن تستقيل من عملك ، فجأة و تمضي إلى الوراء ….. باحثاً عن ذاتك ، حاسباً أخطائك ، و تلعن قدرك ، و حظك العاثر …..
(12)
لا أدري أن كنت سأكمل دربي ، فنهايتي قربت مع آخر حلم كان يراودني أثناء صلاتي. في الليلة الأخيرة ، تراقصت أفكاري طرباً ، وشجى صوتي محشرجاً بأناتي العاشقة ، سادت العزلة و الصمت على كلماتي ، لم يعد بوسعي الكتمان ، فالدنيا ملت من صمتي ، و الوسادة ماتت من شدة وجدي. يا ألسنتي البكماء متى ستنطقي ، معلنة فرحي ، فالنار اضطرمت في ضلوعي ، آه من نارك سيدتي ، لو أن يدك برداً تطفىء جمري .
لماذا ………..؟ لماذا ………؟
ماذا أسال ؟ و هل ستجيبين ؟
هل هناك من يهوى عذابه مثلي ؟؟
أفراشة أنا ؟؟؟
حتى أعشق الرقص على ألسنة اللهب و هي تحرقني …… ، أه من حبك قاتلتي ، كم مرة أضحكني ، ومرات لم أعد اذكرها أبكاني … أعشق عذابي في هواكِ ، و جمرة الحب تكوي قلبي المتعطش لرؤياكِ. لم أعد مثلما كنت ، أنا مجنون أطارد أوهامي ، أتحد مع الأرض في ثورتها ، أغتسل بحبات المطر ، استنشق من زجاجة الموت ، عبيراً لآهاتي المحتضرة. ترددتُ كتيراً ، قبل أن أبوح لكِ بكلمتي، و لكن دفعني جنوني ، لأثور و أتمرد على صمتي ، و أقول لكِ ( أحبكِ ). آه منكِ مجنونتي ، كم أتمنى لو أن قلبك ، كعصفور صغير يأويني ، لو أن عينيكِ تكون قبلتي و محراب صلواتي. لا أبالي أن كان هواكِ عذابي ، و سبب قرب أجلي ، لكنني مجنون ، بل ( مازوخياً ) أعشق و أتلذذ بتعذيب ذاتي.
(13)
و تبدأ الحكاية مع غروب كل شمس، و الساعة تسير بخطواتها المتثاقلةً، و أجراسها التي تزيد من فوضوية الاجواء، تعزف بكل قوة على أوتار قلبك المحطم ….
في كل يوم قصة حب جديدة ، يستل قلمه، يجعل منه أميناً على أسراره، و يكتب كلمات فاح منها عبير الشوق و الحنين، محملة بجراحٍ …. آهات و انكسارات .
القصص في جعبته لا تنتهي، في كل ساعة أو دقيقة قصة ، و آلاف التفاصيل تتوزع على ذرات الثواني.
يلملم الاشلاء المبعثرة من هنا و هناك ، و ينسج من خيوط الوهم ، ثياباً تدفء زمهرير قلبه ، فالخريف أقبل نحوه بسرعة هذه السنة. عادت به ذاكرته المتهارمة، إلى نقطة الصفر ، عندما قرر أن يهجر و يكفر بفوضوية الخريف، و يؤمن بضبابية و سواد الشتاء. ضحكة صفراء ، مجهولة الهوية، منكهة بطعم الخبث ، ارتسمت على وجهه.
أيعقل أن تنتهي القصة هنا ؟؟؟!.
سؤال يتجول بغير هدى أو إيمان في عقله.
كيف لا تنتهي هنا ، و هو الذي رسم أبعادها ، كيف لا ، و هو الذي أعلن أمام البشرية انتصار الألم و جنون الأيام عليه.
كيف لا ، و هو الذي طأطأ رأسه ، و أسلم روحه ، لتسلبها أيادي القدر ….. انتشلته من صمته و ذهوله ، نسمات باردة ، أرعشت جسده المحترق الهزيل.
فالمعركة بين حنينه و حرمانه مازالت مستعرة ……. ما إن تهدأ ناره ، تعود، لتشتعل من جديد، لتزيد من ألمه و عذابه ….. حروف مبهمة ، تحتاج لوضع النقاط عليها ، و الابجدية ترفض بعض حروفها ، بحجة أنها لم تعد تمارس دورها في ترجمة فن المشاعر و الاحاسيس.
ألف كذبة ، تحيط بتلك الرواية ، أصحيح أن الابجدية تختزل حروفها ؟؟؟. لأنه ما يعد قادراً على الكذب ، أو أنه رفض الامتثال لأوامر قلم اتخذه عاشقاً مجنوناً – مثلي – أميناً لأسراره … و يعيش على أمل أخر …. و قصة أخرى …. و يحلم بموعد يخرج من رحم فوضى الخريف ، مباركاً من ضبابية الشتاء و مطهراً بحبات المطر ……
(14)
أهو الموت ؟؟! ، لا أدري ، ربما .
فأنت بعشوائيك ، كنت تتقدم نحو الخلف ، و هو كان قابعاً في إحدى الزوايا المهجورة. تنفض غبار الوهم عن حلمك المبعثر ، لتعلن لك فوضوية الأقلام و حبات المطر عن هشاشة أفكارك. لا تلعن الدهر و حظك العاثر ، لا تشم أو تسب قدرك ، كن على يقين أن هذا كله من عمل يديك، ألم أقل في بداية الأمر ، أن الدرب أمامك صعب و طويل ، ستقع و ستنهض ، و ستقع فستنهض ، و ستقع ثم ستنهض ، ثم ستقع ، و تكون أمام خيارين أم أن تنهض أو تموت كما ماتت أحلامك
حتماً، و ستنظر في المرآة ، فترى وجه مألوف بالنسبة لك ، يتموضع فوق جثة هامدة ، باردة مثل أيامي ….. تنتظر حكم القدر …..، دونما أن تعارضه و لو بقلبك ( و هو أضعف الإيمان ) ، ثم بكل وقاحة و جرأة ….. تسب القدر …..
أتهجرك الحروف ، مثلما هجرتني ، تهرب من جدل عقيماً ، سيزيد من آلامك ، ويلهب مشاعرك و أحاسيسك. تهوى الموت ، و تتغنى به ، و لكنك تخشاه ، كنت دائماً تستهزء بالحب و قصص الهوى ، مالي أراك اليوم حاملاً لواء العشق ، مدافعاً عنه ، منصباً نفسك سفير العاشقين.
لا تضحك على حظك العاثر ، بل أضحك عليّ …. و على قدري ….. سأقف عاجزاًَ مرة أخرى …. ، و أخرى ….. أمام صمتي …. ضعفي …. و عجزي .
أأكمل مشواري إلى نهايته ، أم أعلن انسحابي و هزيمتي. لم أتوقف عن التفكير أو البكاء ، و لن أتوقف عن الأحلام العابرة على شواطئ أوهامي ، لن أتوقف عن الحلم لأنها حقيقة مشروعة لكل البشر …
لن أتوقف عن الحلم بثواني أقضيها صامتاً ….. و أنا أبحر في فضاءات عينيك ، و سأترك قلمي يكتب بقية قصتي.
(15)
لا تخفي ملامح وجهك ، فمهما حاولت فإن الموت سيعرفك من بين آلاف المشردين البائسين. تبكي، تضحك، تحزن، تفرح، تصاب بهستريا الجنون، تصبح مثل أبله ، لا يميز بين اليمين أو اليسار، تتخبط كالغريق ، تصيب من حولك بالموت ، تنشر الوهم و الضباب ، توزع اليأس و تلعن السراب. أقلم أغصان الموت من شجرة الحياة ، أختزل من عمري سنين يوسف العجاف ، أشدو أغنية لحلم مهيض الجناح … يختم على جواز سفري عبارة أبكت دموع قلبي:
(نازح يحمل وطناً في حقيبة سفر ) أو أحياناً يسمى بقايا وطن أثخنته الجراح …. أضنانا المسير ، أصمنا الصمت ، أتعبنا طول الانتظار ، قتلتنا الرجولة المزعومة .
لم يعد الحلم ممكناً ، فالحلم أصبح جريمة عقوبتها النفي وراء الغيم …. ها هو الموت يقبل نحونا مرة أخرى و أخرى ، كلما اقترب أكثر زاد خوفنا ، و أعلنا استسلامنا.
زاد صمتنا ، زادت دموعنا ، ملتنا الدموع و الأحلام اللازوردية ، طردنا الصمت و الخوف من مفرداته و قواميسه. في لحظة ما ….. ينبذك من حولك ، تلعن بصمت هزيمتك و انتصار الوهم على واقعك الزائف. في لحظة من اللحظات، تعود إلى الوراء قليلاً، مبتعداً عن مكانك المعتاد، تهادن الموت، تهادن أوراقك، أقلامك، دواة الحبر و علبة التبغ ، تفكر قليلاً … ثم تفكر كثيراً ، تضيع أفكارك بين تهويمات الخيال و صوابية الواقع.
تنقض هدنتك ، تمسك بيد مرتجفة قلمك ، و تكتب على الأوراق حروفاً مبهمة المعاني ، مشاعر عاشقاً مازال قدره ، يعانده ، يصارعه ، يناروه ….. في كل مرة يجد الحب طريقاً إلى قلبه …. و لكن …. تتشعب الدروب وتتشابه ، تنير للحب أشواقك ، و تلهب أحاسيسك ، حتى لا يضل طريقه إليك …. و لكن …..حاسي
سوادية قدرك و أيامك أقوى من أشواقك و أحاسيسك.
تعود إلى نقطة الصفر ، تأوي إلى مقعد ما ، في حديقة ما …. مكسوراً ، ضائعاً ، وحيداً – مثلي أنا – تساندك علبة تبغ ، أوراق و قلم ….. و لثرثرة منتصف الليل بقية ….
(16)
وتستمر المعركة الأزلية بين نوازع الشوق و خفايا و مكنونات الذات … يقف الجسد الحائر في وسط دوامة الحنين ، متأبطاً، أوهام ، و أحلام مبعثرة في فضاءات لم تنطق بلغة الهوى. نظرات تائهة بين لحظات اللقاء و الوداع ، تعلن قداسة موعد ملقى على جنبات الرصيف ، شعائر حب صوفية ، مكللة بأكليل الأيمان ، يعبق بأريج المسك و رائحة البخور.
تنتظم القوافي ، في لحظة هدوء و رومانسية ، تنسج قصة عشق أسطورية لأنثى لم يخلق مثلها ….. تحترق آلاف الشموع لتنير ، ليلة عاشقاً مضطرباً ،نسي حروف الأبجدية ، متدثراً بآلامه ، يشرب من عصارة يأسه آه معتقة ، بأجواء وثنية ، تترنم على شفاهه آلاف الأدعية و القداديس المباركة. يزرع أجواء السكون ، ضحكات ذابلة ، مرهقة ، تترنح في مخيلته ذكريات فصل من فصول الحياة المتناقضة ….. أيعشق أنين الشتاء أم يحن لفوضى الخريف ؟؟؟!.
ما عاد ينتشي كسابق عهده بجرعة موعد لا يتجاوز الخمسة دقائق ، لا يدري أن آلم الحرمان أفضل من ألم الوصال ؟؟؟؟!
يضيع الوقت و تتسربل الأفكار ، ينتظر طيف أنثى عابرعلى أجنحة السراب.
يكذب و يدعي الحياة ، بينما هو جسد هامد، يتلقى الضربات من هنا و هناك، و روحه طارت في الأجواء، كعصفور عشق، يبحث عن سماء تبيح لغة العشق وحب بكل هارباً من قفص الأوهام. لا يطيق الانتظار أكثر ، فالأحزان على شرفة الأمل تراكمت منذ الأزل ، والصبر بلغ حداً لا يعرف له مثيل ……
و أنت ما عاد جسدك الوله يحتمل أكثر ، أرمي تلك الأوهام ، و اترك ذلك القفص ، و ذلك الرصيف و حلق في الأجواء ، علك تجد فضاء رحب ، يقبل كل عصفور عاشق يغرد بالآلف اللغات و الألحان.
(17)
في سكون الليل ، تعود كلماتي لترتصف من جديد على سطور صفحات طالها الوسن ، تعود من إجازة قسرية أو يجوز أن اسميها ( نقاهة عاطفية ) ، اليوم ….
سأتجرد من كل الأوسمة و المناصب ، وسأخلع ثوب الحب و العاطفة … اليوم سأعتزل قلبي ، و اعتزل عالم العشق وفنونه، عفواً ….. أكاذبيه …
سأعلن أمام البشرية ، بأنها ما عادت تعنيني ، و أنها خرجت من حياتي ، كنفثة دخان خرجت من صدر عاشق محترق القلب و مهيض الجناح ، سأجمع كل ذكرياتنا ، و احرقها و اترك الرياح تنثرها في كل مكان ، سأكتب على شاطىء البحر قصة ستكون في ذاكرة النسيان ، و اترك الموج يمسحها حرف تلو حرف ، صحيحاً أنني تعلقت بالأوهام، ولكن أدركت اليوم.
ما هو الفرق بين الحقيقة و الخيال …. اليوم اكتشفت متأخراً جداً و للأسف ، أنك لم تكوني في حياتي إلا وهم …. و حلم كان يراودني في كل ليلة ، فلعنة الله على الأحلام .
(18)
من جديد تعود اﻷفكار لتتسربل من عقلية عاشق تمرد على قواميس و معاجم العشق و الغرام. يتابع حياته بأفكار و آراء جديدة ، لمرحلة جديدة .
يريد التمرد على كل شيء ، على كل قديم و حديث ، يرفض التعامل مع قلبه ، لأنه ما عاد كما كان. يكفر بفوضوية الحروف ، يعود إلى فطرته اﻷولى و نزعته السامية ، يعود إلى أين ، ﻻ يدري فعقليته الجديدة حولته من ( عاشق أعمى ) إلى ( نازح ) او ( لاجئ ) أصبح وطنه مجرد حقيبة سفر ، يبحث عن مفردات جديدة لمرحلة ، فخياراته محدودة ، و آماله محدودة ، فالحب أصبح ممنوع أو مسح من قاموسه ، أفكاره تغيرت أو تبخرت ، مشاعره و أحاسيسه تجمدت ، ألوانه غير واضحة، الرمادية ممنوعة في وطني … فأما أن تكون أسود أو تكون أبيض ، و في كلا الحالتين ينبذك الطرف اﻵخر كثوب بال دون أن يفهمك.
لا تنتهي الحكايات هنا……. أناس كانوا بأمان ، كانوا في بيوتهم ، أصبحوا للأسف مجرد أرقام في السجلات … أطفال بعمر الورد …. أي مستقبل ينتظرهم، شاهدوا الموت بأم أعينهم ، على أصوات الرصاص يستيقظون و على أصوات المدافع يهجعون ، يحلمون بغد أفضل ، بوطن أجمل دون رصاص أو مدافع.
أمشي في شواؤع وطني ﻵرى تصاوير أناس و دمى تتحرك ، وجوه حالكة ، كانت في يوم ضاحكة.
ما أصعب أم تكون مجرد اسم او رقم أو إذا جاز التعبير – مواطن من الدرجة الثانية – أو – نازح – وطنك مجرد حقيبة سفر ….
(19)
في قمة الصمت و الحرمان ، تأتي لحظة عابرة ، لتنتشلك من وهمك المضني ، عفنة أصابع القدر …
عندما تحاول أن تمضي إلى الامام ، و هي بكل قوة تضع العقبات أمامك ….
أما كنا نسرق من الزمن ثواني ، لنمرح بها ، لنمارس طقوس حبنا الصوفية ، أنا كنا نسرق من الدهر دقائق ، لنعطي العالم دروس و حكم في فنون العشق و الحب الطاهر …
ماذا جرى ، و لماذا تبدلت الحروف ، و ضاعت المعاني …. أفكر …. بصمت ، فيقتلني صمتي ، أتعب من التفكير ، استنجد بلفافة تبغ و أحرق بقايا أعصابي و أطغئ نار اشتياقي برشفات قهوة علقم مثل أيامي …..
لم أكن أتصور في اي يوم من حياتي بأن الحب سيجد طريقه إلى قلبي ، غيرت سكني و بدلت رقم هاتفي ، كيف اهتدى لي و كيف وجد سبيله لقلبي
لا أدري ؟؟!، ليؤكد الحب لي بأننا مهما حاولنا الهرب منه ، فإنه كالموت لا مهرب منه ، سيأتي إلينا من الرياح ، من البرق أو حتى كالنسمات الباردة في أيام الصيف.
(20)
تعجز عن تذكر تلك التفاصيل ، فالبرغم من وضوحها ، و لكنها كثيرة ..
تمسك بيدك المرتعشة ، قلمك محاولا استدرجها
لتطرز بها مجموعة أوراقك العذراء المستلقية أمامك ، و هي تنتظر أن تنفذ فيها حكم الأعدام
– الأفكار تتضارب مثل رياح هوجاء ، في رأسك
بين صحيح و خرافة ، بين القيل و القال ….
تنتشلك بقايا ذاكرة عجوز خرفة ، لتتخلى عنك فوضوية الأيام ، في لحظة جنون عابرة .
– تنساق إلى مقصلة الأوهام ، و تمشي إلى ما وراء الغيم ، بطريقة لا شعورية ، تعود إلى أوراقك لتجدها غافية ، و قد سئمت الانتظار ، و أفكارك المخملية لم تجهز بعد ….
– مثل أي كاتب ، يبحث عن بقعة ضوء في سماء الأبجدية ، تشعل لفافة تبغ أخرى … و أخرى … و ….. تصنع من حولك هالة ضبابية ، لتعلن لحظة مجهولة ، عن ولادة قيصرية لفكرة دفينة ، او فكرة جاءت من عالم الخفاء ….
– تسافر بأحلامك إلى حقبة مبعثرة ، لتنسج من أنينك الدائم ، سجادة صلاة ، لعاشق صوفي ، تدله و عشق الآلام ، و تيمم برماد الخطايا …
– تبحر في أجواء عزلتك الخريفية ، ناسيا أو متناسيا ، أوراقك النائمة ، خلف اضطراب المفردات ، متجاهلا ولادة الربيع على أغصان الحياة …
– تقلب الأفكار و المعاني ، تنظر بقلق إلى الساعة المصلوبة على الجدار ، عقاربها تعلن لك قرب ساعة الموت المنتظر …
– وردة ذابلة ، استوطنت غرفتك ، تذكرك بقصة حبك الضائعة المعالم و المجهولة الهوية مثل قلبك ….
– ألم تكتفي من الآلام و ظلها ؟؟؟
– ألم تكتفي من الضياع و الحرما ؟؟؟
– أغمض عينيك ، و دع قدرك يقرر عنك ، ما أنت خائف منه …..
(21)
يسير و في يده حفنة من الأوهام المفرغة ، و في تلافيف ذاكرته بقية أحلام محطمة و ضبابية الأيام
ينعي شمس الغروب ، يبكي ضياء القمر ، ذبلت آخر وردة زرعها في ( أصيص ) الحياة …
توالت سقوط الأوراق الهرمة، لم يحافظ الشتاء على وعده و نكث العهد …. ، و أزاح الخريف عن قلبي .
مازال ذلك المجهول ، واقفا أمام مكتبة ، يتناول كتاب من إحدى الرفوف ، يبلل إبهامه بلعابه ، يقلب أوراق الكتاب بسرعة …. ، يلقيه وراء ظهره و يمضي ، كأنه يفتش عن بقايا قلبي في صفحات سفر ضائع المعالم .
تصيبني الحيرة و الدهشة ، أتبع ظلي بهدوء في رحلة البحث عن مفردات كلمات بكاء ، علها تساعدني في ترجمة عبارات الغد ، وفهم رموز الحاضر و المستقبل .
أنحت صمتي في فراغات الغياب ، لم يعد الكلام يعبر عن شدة الوجد في … ، استبدلت أناتي المتحضرة، بنظرات تائهة في غياهب الأفق ، لتعبر عن حنين تراكم منذ الأزل على صدري …
أنادي على قلبي الضائع مني ، أين ذهبت ؟؟؟
فيقول : إليك عني ، فأنا قرب من أهوى علها الجراح تشفى ….
كان يفكر بهموم الإنسانية بأسرها ، واضعا آلاف الحلول و الأفكار ، لسعادة البشرية ، ناسيا – أو – متهربا ، من مشاكله اللا متناهية ….
أصبح شديد الانطواء على نفسه ، باءت محاولات الجميع بالفشل ، لجعله يتكلم ، أصبح يهوى الصمت ، بعد أن كان لا يدخل لسانه إلى فمه ….
يجلس على شرفة الأمل ، ناسجا من الليل ، فجرا ضاحكا ، يراقب حبائل الشمس كيف تتشابك مع حالك الليل ، النجوم تتساقط واحدة تلو أخرى ، أمام كبرياء الفجر …..
في ذلك المساء ، اختلطت عليه المشاعر و المعاني ، فالابجدية التي تعلمها في المدرسة الابتدائية ، لم تكن واضحة المعالم في ذهنه المتلبد بالأفكار العشوائية، لم يعد يرى سوى مشهد واحد …..
انتشلته زقزقة العصافير و هديل الحمائم ، من شرود ه …
عاد إلى عالم الواقع ، بعد رحلة في أرض تهويمات الخيال …. انتظر قليلا …
تزود بجرعة ماء …. و انطلق في رحلة شرود أخرى لا تعرف حدودا للزمان أو المكان ……
(22)
نقطة.
و أبدا من أول السطر ، حكاية جديدة .
أنها النهاية ، لا تحسب ساعات الفرح أو الحزن ، لا تبكي على ذكريات آلمتك ، بل أنساها ، لأن حزنك سيبقى يطاردك أينما ذهبت و ستذهب ….
نقطة .
و من أول السطر سأبدا ، و ألعن بداية القصة و نهايتها ، سأمزق الدفتر ، و سأكتب بداية قصة أخرى على دفتر جديد ، و صفحات جديدة ، و بقلب جديد .
نقطة .
و من أول السطر، سأبدا حياة جديدة ، بمختلف الألوان و الاشكال. ..
سأذكر مقاعد مدرستي القديمة ، و مشاغباتنا مع الأساتذة ….
سأتذكر …
كلامهم … توبيخهم … تشجيعهم لنا على مواصلة الجد و الاجتهاد ….
سأتذكر ….
كل التفاصيل الصغيرة ، كل شاردة و واردة في حياتي
طفولتي … حارتي القديمة … مدرستي الأولى …. ، كل شيء مر في حياتي …
إلا أنت …
ستكوني صفر على شمال حياتي ، وردة ذبلت على منضدتي ، حرف خارج أبجديتي ….
نقطة .
و سأبدا من أول السطر في دفتر جديد ، بقية حياتي
سأعود مثلما كنت عصفور ، يطير من غصن إلى أخر ، يداعب الورد ، و ينام في أحضان الغيوم ، يعشق لون السماء ، و يغتسل بحبات المطر … ليتطهر من أخطائه و آثامه ….
نقطة .
سأبدا من أول السطر حكاية أخرى … و سأحيا ، على ما تبقى من أوهامي ، و سأعود كما كنت ، قبل أن تنشري عطرك في أجواء حياتي .
هذه هي أخر صفحة في دفتر حكايتي و أخر سطر ، ثم سأضع نقطة .
و انتهي …
لن أكتب على الهوامش ، ﻷني قصة حبنا انتهت ، و ستكون مجردة ذكرى بعد هذه النقطة .


