البحث المحموم لم يتوقف، الجميع يريدون العثور على الرجل الذي رحل دون سابق إنذار تاركا زوجته وإبنه.
ليس الرحيل هو ما رسم الدهشة على وجوه من عرفوه في القرية الصغيرة ،لكن مكوثه ما يقارب خمس سنوات، وهروبه بتلك السرعة القصوى.
كان قداطمأن إلى أنهم لن يكتشفوا حقيقته المستعربة ، تعلم الصلاة وبعض السنن الدينية والعادات، فخانه عمله في حرث الأرض وزرع المحاصيل وكشفه جهله بابسط أصول حمل مذراة القمح ، فأثار شكوكهم وتعجبوا من سر رفاهيته ! فانهملت الاسئلة المتواصلة :من أين يحصل على الأموال لينفق على زوجته التي تزوجها بعد سنة من وصوله القرية ؟ ومن أين له هذا التفاح الأحمر والجوافة الفاخرة التي لا تباع إلا في سوق الخضار في ساحة النواطير بحيفا؟ وهم بالكاد يأكلون اليوسف أفندي والبرتقال ” أبو سرة ” .
حين استقبلوه في مضافة المختار لم يساورهم ادنى شك بروايته: أعود بنسبي
إلى عائلة المحمود الممنوع افرادها من العودة بعد تهجير قسم كبير من أهالي القرية ،بل هللوا لعودة أحد أفراد العائلة فصدقوه وبكوا حين وصف ترحيل أهله من حيفا إلى السياج الشائك شمالي البلاد عند الحدود.
وصف معاناته في العودة إلى وطنه،وشتم الإحتلال ومن تسببوا في تشتيت الأهل ، واتفق الجميع على الإحتفاظ بسر تواجده . رجوعه هو سر القرية . احتضنوه وهم على قناعة بأنه يوسف ابن عمهم اللاجىء في لبنان.
حرص على عدم تقليب ماضيه ، مراعيا ألا يخونه لسانه فينزلق في حديث عن حياته في احدى الدول العربية وقد استحضره الكبار مع القادمين الجدد إلى أرض الميعاد، وامتهن عمله كمستعرب إندس بين الناس مدونا كل حركاتهم ونأماتهم ، لا تفوته فائتة من أحاديثهم وأكلهم وملبسهم ، وقد تكاثرت حالات اعتقال الشبان ، بعد إقامته في القرية، ولم تمض ليلة دون مداهمات لمنازل الآمنين والنائمين وسرقة محتوياتها وبعض الماشية والطيور والمؤن بأيدي الجنود ، إرتفع منسوب الخناقات وتبادل الإتهامات .
وما لبث جو القرية المتعكر ان هدأ بتسلله راحلا عن القرية .
قد سحبه الكبار الذين زرعوه وأدركوه قبل أن يخرج على حمالة من بين العشرات الذين انتظروه في البيدر القريب من منزله.
- ثعبان
- التعليقات


