يا هذه الريح ! ياهذه القادمة من كل الجهات:
لا شرقية ٠٠لا غربية ٠٠لا شمالية ٠٠ولا جنوبية ، دثري مزهرية حلمي بماء الورد ، ألحفيني ، أسمالا رثة ، أرميني ، في أرض صحراء خلاء ، أستف ترابها ، أشرب رضابها ، أحس بها وطنا يحضنني ، فأنا ، وطني ، حتى النخاع !
قادم من عام الرمادة ، من مكان : الجوع بالعدل ، وقرقرة الأمعاء بالعدل ، من زمان احترق فيه الزرع ، وضمر الضرع ، وجف ماء البحر والنهر أتذكرنا :
-عراة ، حفاة ، جياعا ، نقتات على الجراد ، والحشرات ، والحشائش و النباتات البرية ٠٠ لا تسلم من أذانا دابة ! نشرب ماء، عكرا ، مالحا حد الغثيان ، يحرك حمم براكين أمعائنا ، نبسمل ونحوقل ، نبوس ظاهر اليد والراحة ونحمد الله على ما كتب ، على ما أعطى وعلى ما أخذ حمدا كثيرا ، ماذا نساوي نحن أمام قرقرة مصارين عمر جوعا ، فهذا عام الرمادة ؟
نناغي النجوم في السماء ،و نحلم ، ونحلم : نلتحف الرغيف ، نفترش الرغيف ، نلتهم الرغيف ، ننتشي برائحة الرغيف ، نسبح في أنهارمن حليب النوق الساخن ، نتلمظ لذة الجوع ، ونستلذذ ملوحة معداتنا ، نقاوم الموت ،عزيمتنا مفتولة ،قوية فيها أمل كبيرفي غذ أفضل ، تورق فيه كروم العنب ، وتزهر أشجار الزيزفون !
أتحسس جسدي ، ينبت لحمي ريشا جميلا بألوان قوس قزح ، أتخلص من خرقتي القديمة ، أبعدها عني ، أطرد العنكبوت المعشش في مؤخرتي ، أرمي همومي بعيدا ، بعيدا ، أنتقم من فقري ، من كفري !
أحسبني ولدت من جديد ، أنسى جوعي وعريي ، وبؤسي ، والجراد والنبات البري ، أغير مشيتي ، أختال ، فخورا ، أعانق الهواء ، أرقص رقصة الشبع حتى التخمة ، على صفحة الماء ، وأخفف وطء أديم الأرض !
ينفت تنين حظي العاثر ، من روحه ، ريحا حارة عاتية، غير ريحي ، تحملني قشة ضعيفة ، تتلاعب بي في سابع سماء ، أشرب مائي من ماء أمعائي ،ينتف ريشي ، حتى آخر ريشة ، تعرى عورتي ، يقبحني عابرو الطريق ، يبصقون علي ، ينعثونني بالخبل و الجنون ، أحتمي بالحيطان، أشدها كالمصلوب ، ألتمس سلامتي، أتقي شرورهم ٠ ٠
من الثقوب و زوايا الأزقة تطاردني عشرات الأجساد ، و مئات العيون في وجوه ، تنبت أفواها مفتوحة عن الآخر :
– استر عورتك يا غريب ، يا مجنون ، يا مخبول ،يا مهبول !
، أبحث عن أوراق التوت ، ربما تغطي عريي، يقال :
– آدم ستر عورته بأوراق التوت المباركة !
، لم أجد منها ولا ورقة : وقتها تذكرت :
التهمتها نيران نيرون عندما أحرق روما ، واغتصب شعبه !
أستر نفسي بنفسي، تخترقني العيون المفتوحة ، تتحرش بي :
– حصاة ، حصاتين ، ثلاث ، سيل من الحصى ينهمر على جسدي العاري، كبرد عاصفة قوية ، صراخ الأطفال يحفني من كل صوب :
– و ا٠٠الأحمق ٠٠٠ وا٠٠٠المجنون ٠٠٠وا٠٠المعفون ٠٠٠ وا٠٠المغبون ،!
ألبس الفراغ ، أتمسك بالفراغ ، أشعر أني فراغ في فراغ !
– ليتني عدت إلى أيامي ، عام الرمادة ، أقتات على الحشرات والنبات البري ، مستور العورة ،مصون الكرامة ، أحضى بنصيبي من الجوع ، وحفنة من الجراد اليابس ، وبشيء من عدل عمر ، يشاركنا جوعه ،وقرقرة أمعائه الفارغة !
فجأة ترمى علي قطعة قماش خشن أبيض ، أقول :
– الحمد لله ستر العورة ، يساوي هنا مائة عام من الرمادة !
تنهال علي الركلات في كل أنحاء جسدي ، أقذف في عرضي ، في أرضي ، في شرفي ، يحيطون بي ، يشبكون قبضتي خلفي ، يغمضون عيني بخرقة بالية ، فيها رائحة عفنة من نتانتهم ، تزكم الأنوف !
لا أعرف كم لبثت في دهاليزهم ، يوما ، أو بعض يوم ، عاما أو بعض عام ، ربما مائة عام ، أو ثلاثمائة عام ، لا أدري ، كل ما أتذكره : تخلصهم مني في مكان عفن بارد ، شعرت فيه ببرودة ضمير الإنسان ، وتفاهة البشر ، وسخرية القدر ، تتكدس أجساد بارزة العظام ، من كل الأحجام ومن كل الألوان ، كلهم أنبتت أجسادهم ريشا قزحي الألوان ، فعراهم الظلم والفساد ، يتعايشون ، يتحابون ، يقتسمون جرعة الأمل والألم بعدل ، يسألني أحدهم ، يا أخ العرب :
– من أنت ؟ من أين أتيت ؟ ولماذا أنت هنا ؟
دون أن ألتفت إليه أجيبه بامتعاض واضح !
– أنا قادم من عام الرمادة ، أبحث عن وطن ، ضاع في جغرافية الكون ، فأنا وطني بلا وطن ، مواطن بدون أرض ولا هوية ، وأنا هنا لأن جسدي أنبت ريشا !
– إذن أنت قادم من خارج القضبان ، من عالم العبث والجنون ، عالم يأكل فيه القوي لحم الضعيف ، يمتص ريشه بلهفة حتى العري ، يتهم القادم بحثا عن وطن آمن بالجنون ، فيعيث في جسده فسادا !
– إلزم ركنك البارد ، إياك أن تفكر ٠٠ التفكير ممنوع ٠٠ لا تغادر ركنك ، هم مجانين ، توقع منهم كل الأذى ، فإنه يجري في عروقهم دما !
أنزوي في ركن قصي مظلم ،أسند ني الى الحائط المتشقق البارد :
– آه ، يا للمفارقة ! خارج الأسوار مجانين ، وقتلة ، وداخلها عقلاء أكثر إنسانية من إنسانيتهم المعذبة ، يا للعجب !
أغمض عيني ، و أروح في نوبة حلم جميل ، يحملني ، إلى أيام عام الرمادة ، ألتهم الجراد والحشرات ، والنباتات البرية ، وأناغي ، النجوم والقمر و أجوب الصحاري ، و أحارب الجوع ، وأحتفي بالجياع ، وأصول وأجول في عالم الحرية !
- جراد من عام الرمادة
- التعليقات



