تجاسر وفتح الليل عين عتمته باكرا ، كان الطريق على عادته غارقا في الزّحمة ، ظل صوت المسجل يؤنس وحدة عبد المؤمن تارة وتارة يجد ذهنه شاردا، في المنعرجات الطويلة التّي لا تكاد تنتهي حتّى تلوح آخرى أصوات الأغاني الشرقية تتداخل أحيانا وخاصة حين اقتراب السيارات من شاحنته الهرمة ، تتداخل الذبدبات لتعكس أذواق ركابها . تنهد وهو ينّقل بصره في سكونِ وأسرار العتمة وكأنّ بالليل يسرد حكاية معانقته لأحضان الظلمة …ضحك من تخمينه وقال : فكري يبقى محدودا فمالي ولهذا التفسير، صحيح كنت متيما بحصص العربية وقصائد الشعر المقررة في القسم النهائي بثانويتي الوحيدة ببلدتي ، كم كانت شاقة عليّ وعلى أمثالي المتعثرين دروب المتنبي وابن زيدون…وها أنا أنتهي كسائق شاحنة أقطع بها كلّ شهرمئات الكيلومترات إلى العاصمة ذهابا وايابا لجلب سلع المواد الغذائية وإعادة بيعها ، أحوالي المادية تحسنت ومتاعبي تضاعفت.
تذكر زوجته جنات وأّمه يامنة ، استقام في جلسته خشية أن يباغته النعاس ويسرق يقظته التي هي رهان بقائه على قيد الحياة، لو كان يملك عود ثقاب لأضرم النار في شروده أيضا ، إحساس غريب يجثم على صدره ، كم يشتاق لأبنيه طه و الأمين وكم يلُوم عناده وقسوته على جنات .
غدت طريق البويرة المكتظة بالحوادث والوجع تشكل هاجسا له.مرّت الساعات كدهر كمكوث يونس عليه السلام في بطن الحوت
حين لاحت بلدته الرابظة في أعالي الصخور ، توقفت شاحنته وسط دكنة فوق جسر صغير ، حاول تشغيل المحرك عدة مرات دون جدوى أحس بجسده يتهالك تعبا …وطيف يقترب منه ، تسلل ضوء شهاب في السماء ليالي الشتاء تحجب ملامح ذاك الطيف الأشبه بالسراب، جسده يرتعش وشفتاه تمتمان بتسابيح متداخلة . تبين وجه تلك الكتلة المتموجة مع نسمات الرّيح التّي خال أنّها هبتْ بالقرب من شقه الأيمن ولفحت خدّه بشدة ، كانت امرأة مكتملة الحسن والاغراء أوغل في الدهشة صوته ، تذكر بتنهيدة غائرة ما روي عن هذا المكان وظهور جنية حسناء لمن شاءت، كان آخر المصدقين للخرافات…في الصباح الباكروُجِد متكورا على نفسه داخل شاحنته وهي بمتنصف الطريق على الجسر ، كانت نظراته للناس باهته شبه ميتة ، تلعثمت خطواته بالحشود ، تلمس خده الأيمن ليجده مال ناحية الأيسر وكذا فمه تقلص لنفس الناحية ، كشف الطبيب أثناء معاينته عن صدمة شديدة تعرض لها ..حشرجات بكاء أمّه وزوجته تسمع من بعيد …
بعد أيام تأمل نفسه بالمرآة لتتبين له الحقيقة التي أخفاها عنه الكلّ..
وهو يضع رأسه بحجر أمّه أنّه كبر عشرة سنوات عن عمره…وتهمهم بصوت مبحوح وهي تتلمس شعره : كم أصبحت تشبه والدك هذه الأيام .
- جنيةُ الطريق
- التعليقات

