المكان: فلسطين
الزمان: في السنة التي يقررها الفلسطيني
حق العودة …
لايزال ذاك الفلسطيني الذي نيف على عقده التاسع، يأمل في العودة و يعلق مفتاح بيته على رقبته، غير بعيد عنه، هناك في الخيمة التي بمحاذاته يجلس شاب ينتظر عودة ابن عمه بالبارودة …ظريف الطول الذي أخذ البارودة الوحيدة ليتحامى بالشهادة و الشهامة في سبيل الكرامة…
حدث هذا قبل أن تحرر فلسطين، عندما كانت تعاني التقسيم، نعم قبل أن توحد أحزابها و تنصهر في الحزب الواحد الذي لا اسم له، و الذي يؤمن بمبدأ واحد لا ثاني له، و يَجُب ما قبل الوحدة من نزاعات سياسية و قومية و طائفية .
عندما كانت أسلو فعل أمر متنكر في زي السلام، و “سيداو” فعل مخل يتشح التحضر ، وقتها كان تلك موضة الاستعمار “اتفاقية الاستحمار” التي تراءى لهم أنهم ضحكوا بها على العالم. و في نفس الوقت كان اتيكيت اعلان الحرب لا يكلف المُستعمِر أن يلطخ مزاجه بصوت القنابل، ولا ناظره بثقوب الرصاص على الجدران، لا و لا يثير الغبار على حذاءه اللامع الأنيق. و هكذا تمت البيعة، بيعت فلسطين و كلمة السر “اتفاقية السلام”. من نكبة تتبعها نكسة، لانتفاضات فمقاومات ، لكن وجع الرأس قد لا يكون من الشقيقة أو قلة النوم، بل من الضرس ، كذا كان وجعها “فلسطين” من سوستها، قانون الغاب، فرق تسد، القومية ، العرقية، المذاهب الدينية المتعددة، البطالة، و سياسة ” التجويع” على يد السلطة التي هي درع الشعب و صوته و نبضه و هي هي جلاده و كاتمه و عزرائيله. السلطة التي أُجلست على كراسي كتب على ظهورها ” للخائنين فقط”.
الشعوب الجائعة هي شعوب غاضبة غيّب الجوع لبها، فلا هي تفقه و لا تفكر. كذا يقول المثل الإنجليزي الذي ورثته الأنظمة العربية جمعاء عن مستعمريها .
A hungry Man is an Angry Man
أن يكون حلمك “خبزة” تسد بها رمقك، خرقة تستر بها عورتك، وظيفة تحفظ بها ماء وجهك هو أشد و أقسى أنواع الاستعمار.. لكن ما حدث للفلسطيني تجاوز الإستعمار. الفلسطيني وضع حلم “الخبزة” جانبا و طفق يحفر عن الوطن وذاك ليس أشد أنواع الإستعمار و لا أقساها بل أبسط حقوق الإنسانية، أن تحيا في وطنك و تعيش فيه دون دفع جباية الثمن.
كان ذاك عصر الحجارة الفتاكة، نعم كان السلاح حجرا بفعل CZ Scorpion Evo 3 . الحجر في فلسطين وقتها، لم يكن بعد قد حدد وجهته هل يُصوب للسلطات، أم للمذاهب الدينية العرقية، أو للتقسييمات و الجهوية، أم لابن اليهودية، أو للعربي الذي ” ياكل بزّر” و هو يتحسر على قبة الصخرة يحسبها المسجد الأقصى، ثم بحمية الجاهلية الأولى يهب لتغيير صورة بروفايله وهكذا قد أدى واجب الدم و العروبة و الدين. أم يسدد ذاك الحجر لفكرة الفلسطيني ذاك الذي يعتقد أن غير الفلسطيني سيحرك شبرا ليحرره.
كان ثمن الانتظار باهظا، المشهد فادح الألم، أرواح تزهق، و أخرى تهجّر، و بين هذا و ذاك أرواح تائهة، متمردة، و أخرى معذبة لا وصف لعذاباتها.
إلى أن حدثت تلك الإنتفاضة التي زعزعت أسس المستحيل، و من نام على شتات فلسطين ظن أن ما يحدث حلم نوم، و إن لم يكن فهو حلم يقظه لكن هيهات أن يكون واقع.
ثورة عرب الداخل في تلك السنة المباركة ، أشعلت عزيمة أهل الضفة الغربية، و ألهبت جروح غزة. صدق الشهيد العربي بالمهيدي حين قيل له الثورة أكبر منا لا سلاح و لا عدة لنا ،. فرد عليهم :” ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب” . الشعب تلك القوة الخامدة. بعد ثلاث سنوات من تلك الأحداث ، كانت قد تجهزت دولة بأعضائها على مدار تلك السنوات تشكلت هيئتها و رئيسها وعقدت مؤتمرات أهمها مؤتمر عرب الداخل و القدس و كان ذاك في سرية. المؤتمرات عقدت في داخل و خارج فلسطين بالتعاون مع أعضاء الدولة الفلسطينية الجديدة من الجالية الفلسطينية المقيمة في كل من أمريكا، روسيا، ألمانيا، كندا، فرنسا و تركيا. أين تم تجميع المؤونات، و تهريب السلاح و اعتماد خطة ” العنكبوت”.
حدث الإنقلاب وأطيح بالحكومة الفاسدة، لتخلفها الحكومةالتي قادت الثورة الفلسطينية المسلحة. كانت الخطة في الضربة الواحدة، و ما أنجح الثورة زيادة عن الايمان بالفكرة و السرية، خطتها التي اعتمدتها سياسة العنكبوت. أثناء الحرب تطوع الكثير من الشباب من بعض البلدان العربية و انتهت الحرب بانسحاب آل صهيون، ورفع علم فلسطين و إعلان القدس رسميا و دوليا عاصمة لها .
ليعلم العالم أن ظريف الطول لم يرحل بل يبرك ببارودته يتأهب للنصر. أما الانتظار على عتبات الأمل في أن تحن إحدى البلدان العربية الغارقة في استعمارها الاقتصادي و السياسي و الثقافي و تهب لتلبيه النداء، هي خرافة …لك أن تحكيها لكن لا تصدقها. في كل فلسطيني ظريف طول ببندقيته و عقاله على رأسه قد حلف يمينا أن يعيش حرا و يموت حرا.