بللت ُ قليلا قطعة القماش بسائل التنظيف .. بدأتُ بتنظيف شاشة الكمبيوتر وتلميع الطاولة بعناية .. تذكرتُ شيئا من طفولتي والماء يلامس أصابعي…. طفل في السادسة … بجانبه وعاء كبير ، فيه ماء وصابون ، ينظف بعناية دراجة مستندة إلى حائط الباحة الخلفية الفسيحة للدار . أنهى عمله … أبعدَ كل ما يعيق من الباحة الممتدة أمامه ، أعاد الوعاء إلى أمه في المطبخ واعدا إياها أن لا يسرع ولا يقع .
ابتدأ طريقه من باب المطبخ عائدا بخطوات واثقة سريعة . ما أن أقفلت الأم الباب وراءه ملتفتة إلى عملها حتى تثاقلت خطواته … جلس مطرقا على حجر جانب دراجته اللامعة تحت أشعة الشمس. ربط حذاءه الرياضي شادا الأربطة كي لا يفلت . انتصب محاذيا دراجته محاولا الصعود والتوازن عليها . نزل عنها بسرعة قبل أن يقع. تكررت محاولاته دون طائل . في نهاية المطاف ثبت يديه الاثنتين على المقود … دار ثلاث دورات في الباحة راكضا بجانب دراجته . نظر حوله … لم يجد أحدا يشهد طريقة ركوبه . شعر بالاطمئنان … وضع دراجته مكانها داخلا المطبخ كي يشرح لأمه أنه لم يقع ولن يقع . وأنه تعلم قيادة الدراجة بزمن قصير مقارنة برفاقه . مستعرضا لها كل واحد منهم بتفرد ، شارحا بمتعة .
عندما بدأ نعل حذاءه الرياضي يضحمل ويتآكل من الركض في باحة الدار، قرر التوقف عن ركوب دراجته .
ذاك اليوم تماما جاء صديقه طالبا منه أن يعيره دراجته. رفض قائلا : أبدا .. لا أستطيع الاستغناء عن ركبها كل يوم. فطلب منه أن يبيعها له . أجابه : نعم أستطيع أن أبيعك إياها .. أود شراء أخرى أكبر قليلا.
تمت الصفقة بين الصديقين. …. حتى وهو يقفل اليوم حاسوبه منهيا تنظيفه مازالت ذكرى تلك الصفقة البريئة مصدر سعادة له . قبل أن يعيد أدوات تنظيف حاسوبه إلى المطبخ . تنهد متحسرا : لكنني لا أستطيع أن أنسى ساقيه وهما تلوحان بالفضاء قافزا بخفة ، يعتليها ويمضي ملوحا لي بسرور … أما أنا .. مازلت أمشي بجانب الحياة …
بينما الآخرون تطيعهم فيعتلونها……..