كان عصام تحت تأثير المخدر الذي حقنوه بجسده ليستأصلوا تلك الزائدة من منه، لكن الجلبة والحركات التي سمعها بيّنت له أن هناك أمراً غريباً يحصل خلف الأبواب، سمع أصوات وتهكمات وأصوات غاضبة، قال الصوت الأول:
– نحن الجيش الأبيض هل يعقل أن يصاب جزء منّا بكورونا؟
ردّ صوت رفيع حاد بدا أنه أنثوياً
– وما الضير؟ هل نتفرد بشيء مختلف عن البشر الذين يصابون به؟
كرّر الصوت الأول انفعاله وصرخ: إذا نال ذاك الفايروس منّا الأوّلى لنا أن نجهز قبورنا.
ردّ صوت هادئ بدا وكأنه يتحدث من بئر عميقة: د. غياث لا تتطير ولا تعقد الأمور بغضبك المستعر.
هتف د. غياث: الآن مصاب جزء من طاقمنا الطبي بذلك الفايروس ولا تنتقل العدوى إلا بعدم أخذ الاحتياطات الوقائية، نأمر الناس بالوعي وننسى أنفسنا، رباه، كمّ أمقت النفاق؟
رد الصوت الرفيع الحاد: لا تخشى سنتدبر أمر المصابين ونقيم عليهم حجراً صحياً ريثما يتم شفاؤهم ولنبقي الأمر سرّاً بيننا نحن الثلاثة.
نهض عصام ليستطلع أمر المتحدثين، خلسة من خلف باب غرفته، فتحه ببطء شديد ورأى د. غياث رئيس قسم الأمراض الداخلية، كان رجلاً ضخماً وبدا الحنق يطفح من جسمه، وقربه كان د. نزار رئيس المشفى المسن الحكيم الذي جعلته سنواته الستّون يكتسب خبرة التعامل مع المصائب، وبينهما د. سوزان المشرفة على قسم التخدير بالمشفى، كان جدال الثلاثة لا يزال مستمراً لكن بصوت أخفض خشية أن يشعر المرضى النزلاء بالمصيبة الحاصلة مما يجعل الأمر سيئاً للغاية ومحرجاً في نفس الوقت.
عاد عصام لسريره بهدوء وألقى جسده على السرير المعدني وحاول أن ينام وكان له ما أراد.
مدينة بيضاء، يمشي وسطها عصام بزيه البلدي وكل من يراه يرمقه بنظرة تودد واستغراب، يمضي على غير هدى، كان من بين المارّة طفل صغير بصحبة أمّه وكان يحملان بعض الأكياس البيضاء أخرج منها موزة بيضاء وقدّمها له، نداء المعدة بالجوع دفعه لقبول هدية الصغير شاكراً إياه، فجأة أظلم المكان وفرّ البياض وأهله، كلٌ إلى ركنه، وظهر د. غياث باللون الأسود المظلم وبملامح مخيفة وعيون مرعبة، ما لبث أن تجمع حوله سود مثله واضطربت الأرض ورجع البيض للشوارع من أركانهم وتدافع السود والبيض، كلٌ ماض فيما يمضي إليه وظهر من بين الناس د. سوزان ود. نزار وكان جسداهما يتأرجحان بين الأسود والأبيض.
استيقظ عصام مهولاً من غريب ما رأى في الحلم ونظر نظرة في السماء فوجد في أرضها طائر البيان يكتب: ذاك أثر التفاؤل في النفس.
- رسالة
- التعليقات