هناك من يعتبر الإبداع نوعا من الجنون ، ومن بين هؤلاء الناقد المتميز ميشال فوكو ، فالذاكرة المبدعة أشبه بالمرأة الحبلى ، يأتيها المخاض في أي مكان على الرصيف في المرحاض في الحافلة ، في أي مكان وفي أي زمان ، كذلك الذاكرة عندما يتكون الجنين ( النص ) فإن المبدع يشعر بنوع من القلق ، والرغبة ، والتوجس ، فيأتيه المخاض كالوخز في الذاكرة فيلملم شتات أفكاره في سياقات لغوية ، تخضع للغربلة الجمالية والمنطقية أي التي تكون الصورة المقبولة من طرف المتلقي ، وبعدها يخضع الإبداع للشطب عن طريق الزيادة والتقصان ، و التشذيب إلى أن يستقيم الاثر الأدبي، وإن كان من باب المستحيلات أن ينتهي منه المبدع ، فالتحولات دائما ترافق النص الأدبي، زيادة ونقصانا ، إلى أن يموت المبدع ، وهكذا!
إلا أن المبدع عندما يضع جنينه يتكلف به الناقد ويوصله إلى القاريء في أبهى حلة ، وفي أجمل صورة من خلال وقوفه على مواطن الضعف والقوة والرداءة والجمال وللقبح والحسن ، فالمبدع قد لا يرى أشياء لا يراها إلا الناقد فهو لا يستطيع رؤية قفاه ، فالجمل يرى سنام غيره ولا يرى سنامه ، كذلك الشأن بالنسبة للمبدع يمكنه قراءة غيره ولا يقرأ إنتاجه ، نقدا بطبيعة الحال ،
لكن لنجاح نمو هذا الجنين بشكل طبيعي(الابداع ) حتما يستلزم توفر الحرية ، فالمبدع دوما معرض للمضايقات من طرف الأنظمة السياسية المتعفنة ، لأن كل إبداع يشكل لها شوكة تدمي حلقها وذلك من خلال تمرد المبدع على كل الأعراف والتقاليد التي تكرس الاستسلام والاستعباد ، وعبر التاريخ ، كان المبدع محط اهتمام خفافيش الظلام الذين لايؤمنون بحرية الفكر والتعبير ، أو أنهم يريدون أن يفصلوا الإبداع على مقاسهم أن يصنعوا إبداعا مزيفا يليق بمقامهم لكن عندما يستعصي عليهم المبدع ، ويتمنع ويعلن تمرده صراحة ، يلفقون له تهمة الزندقة أو المروق عن الدين فيهدرون دمه ويحرقون كتبه وينسون أن شهيد الكلمة يعمر أكثر من جلاديه ، هيهات لهم إخفاء الشمس بالغربال ، لهذه الأسباب يقومون بكل الوسائل والحيل من أجل تدجين المبدع ولعل التاريخ العربي عرف هذه الطريقة الشيطانية لاحتواء المبدعين عن طريق الاغراءات المادية ، فكان شعر التكسب والمدح ، يتقون شره قبل أن يغرز أنيابه في أجسادهم فيجزلون له العطاء فيمارسون الرشوة والارتشاء و شراء ذمة المبدع ، هذه قصة الإبداع لكن في سطور .!.