كما هي عادته خلال موسم الحصاد ينهض علال باكرا قبل صياح الذيك ..يتناول افطاره الذي تعده احدى زوجاته ..يصلي الفجر ثم يحمل منجله وعدة الحصاد ،يجهز العربة والحمار وكل ما يلزمه .. ويتجه الى احدى حقوله المتناترة هنا وهناك في ضواحي قريته الصغيرة….
في داك اليوم البعيد كانت زوجته الاولى امينة من جهز وجبة الافطار ..وساعدته في اعداد ما يحتاجه في يوم عمله ..اما زوجته التانية فاطمة فكانت حبلى وفي ايام الوضع الاخيرة ،تجاوزت التسعة شهور وهي في انتظار مولود جديد ..
يتوجه علال بكلامه الى زوجته امينة
من فضلك اعتني بفاطمة جيدا ،فهي على وشك الولادة و المخاظ يعتصرها ألما .. ارسلي في طلب (القابلة ) ..اظن انها ستضع اليوم..
****امينة :كن مطمئنا انا معها ..وان حصل اي جديد سابعت احدى بناتك لتخبرك ….رافقتك السلامة..
ونطلب الله ان يبشرنا خيرا….
غادر علال المنزل والقرية متجها الى حقله والظلام لا زال يلقي بعتمته على المكان..كان على غير عادته مضطربا وشارد الذهن..يركب عربته .. كتمتال حجري لا يكاد يتحرك ..مر بقربه فلاحون اخرون من القرية بادلوه التحية لكن لا جواب …فالرجل مشغول البال تماما ولا يكاد يشعر بوجود احد …
كل فكره تشغله زوجته التانية فاطمة ..فالمسكينة انجبت اربعة بنات على التولي ..وفي شوق كبير لمولود ذكر .. مد ان علمت انها حامل وهي في تضرع دائم لله ان يرزقها ذكرا..وفي هذه القرى البعيدة لذكر منزلة قصوى ..فهو الوريث لاسم العائلة والارض ..وهو الظهر الذي يسند الوالدين حين الكبر ..وهو الامتداد للاب بعد طول العمر ..وهو اشياء كثيرة اخرى
ملت فاطمة وارهقها تغامز نساء القرية عليها ..بانها لاتنجب الا الاناث.. فستسلمت لليأس، والعرافات والاضرحة والدجالين كل من اشار اليها بوصفة تساعد على انجاب ذكر الا وجربتها ..وصفات غريبة وبخور اغرب .. من لحم اللقلاق.. الى بول الكلاب .. الى شعر الحمير والابل .. ودماء الوزغ… جربت كل شيء ،فالشوق للولد الغى كل الخطوط الحمراء..الغى العقل…وجعلها كغريق يتشبت بأي شيء لنجاة..
علال ايضا له ثلات بناث من زوجته الاولى امينة ..التي توقفت عن الانجاب بعد عملية ولادة مستعصية ..
تزوج فاطمة وشوقه لولد ذكر ربما يفوق شوق زوجته بكثير ،كان يعيش رغم تظاهره بالقوة عدابا نفسيا حقيقيا ،و ألما يكبر بداخله مع مرور السنين واقترابه من عقده السادس،مناه لم يتحقق بعد… وشمس قوته تقترب من المغيب ..شعور ،ككرة الثلج كلما تدحرجت ازداد حجمها..تتسرب الايام من بين يديه كحبات الرمال..وحزنه الدفين يمضي صعودا ليفني ما تبقى من صلابته …ليجرف تراب الامل من تحث قدميه ليهوي به الى عالم اليأس السحيق……
لطالما تامل حقوله وارضه الواسعة،وماشيته.. وسأل نفسه ….
من سيرث هذه الارض من بعدي ؟؟
من سيحمل اسمي..؟؟
من سيعمر منزلي بعد رحيلي؟؟
من سيعتني ببناتي السبعة بعد مماتي..؟؟
واسئلة عديدة من هذا القبيل ..تنفجر كبركان ثائر برأسه ..لتذخله في نوبة حزن عميق ..ويضيق صدره ..لتفيض دموع عينه دون ارادة منه .. وتبلل وجهه الذي غزته تجاعيد الكبر …وهو من عرف في القرية بقوته وصلابته وشجاعته المنقطعة النظير ..
وصل الى حقله بفضل دابته فقط… اما هو فلا يتذكر اي شيء مد خرج من قريته ..فك ارتباط حماره بالعربة… وحمل منجله ورغم انتفاء رغبة العمل لديه لكنه غالب شعور الياس ..وانهمك في الحصاد بقوة وكانه يفرغ شحنات الحزن التي لفت قلبه والوجدان..
شمس شهر يونيو ترسل خيوط اشعتها على حقل القمح ونسيم الصباح يراقص السنابل فهذه السنة كانت وفيرة الامطار والخير عميم …وعلال بمنجله ولباس الحصاد الفريد ( وصباعاته) القصبية ..وراسه الحليق .. يشتغل في همة ..مخلفا وراءه اكوام القمح
كقتلى معركة من فارس شجاع …
يتناهى الى سمع علال صوت من بعيد…
يرفع راسه .. انها احدى بناته تتجه نحوه وهي تصيح
….ولد….ولد …وابا…ولد ولد ..هذ المرة …ولد…
يسرع نحوها ركظا ثم يرفعها بيديه القويتين …ليقابل وجهها وجهه … ثم يضعها ..ويجلس القرفصاء..امامها
والصغيرة انفاسها مقطوعة من الجري …
-هل انجبت فاطمة ولدا ؟؟؟؟؟؟
تبلع ريقها ..وتتنفس بعمق تتبعه بزفير ساخن وطويل..
-والله ا با. حثى ولد …والكل فرح والزغاريد في المنزل ارسلتني امي لاخبرك..
يرتمي على ظهره وسط الحقل ..ليضع يديه على وجهه وتختلط دموعه بضحكاته ..يرسل الصغيرة الى المنزل
ويعود علال الى حقله ويقسم…. انه سيحصد اليوم كله حثى المساء دون توقف فرحا بمولوذه الذكر.