في يوم من الأيام ، جمع والينا أترابهُ، ولا أحد يعرف ما أصابه، وقال لهم: في تثاؤب ، وكسل ، وعيناه قد أصابها شيء من الإرهاق ، وشيء من العسل …
ــ أنا اليوم أشعر بالكسل ، وبالفراغ ، وبالملل ، وأشعر أيضاً بالقرف ، وبالسأم ”
فقام واحد من إياهم يمدحهُ ، ويذم الهم الذي تجرأ ودخل قلب إلى حضرة المفدَّى ولي النّعم ، ……..
فشكر صنيعه ، وباركه ، وقرَّبه إليه ، وأدناه ، وأغدق عليه ، وأعطاه ، وقال له :
ــ ” اجلس يا فتى بجواري ، أنت عالم ، ولك عندي حظوة ، ولك ساق ، وقدم ، وقد برهنت اليوم عن إخلاصك ، سأجعلك من اليوم جليسي ، ونديمي الأوحد الأهم ، يا صديقي التوأم ” …..
ومرت برهة من الزمن ، والكل صامت لا يتكلم ، وكأن على رؤوسهم الطير ،
ثم طلب من غيره أن يقم ، ويتكلم ، ويوجز ، ولا يسهب ، ولا يسب ، ولا يذُم ، أو يشتم أحداً ، وقال له : هذا هو الأهم ………
فقام ثعلب مكَّار ، وراح يزور الكلام، ويستف الأفكار ، ويزين الحوار ، وحديثه مليء بعبارات مثل العسل ، وأخذ يظهر تعاطفاً معه ، واحترماً له ، وبدا وجهه مثل الرمانة ، وأبدَى يقول ، كلامه المعسول ، وهو يدس السم في العسل ،:
ــ ” إن كان سيدي يشعر بالألم ، فديته بروحي ونفسي ، فليستريح من الهم ، والتعب ، وأنا أقم بما يقوم به سيدي من أعباء ، وعمل ” …….
فزغر إليه زغرة فاحصة ، ثم ابتسم ، والغضب على وجهه قد عُلم ، وهز رأسه قليلاً ، هزة من فهم الحيلة ، وراح في نفسه يتمتم .. ويطنطن : ..
ــ ” مممم ، مممم ، أتريد أن تجلس مكاني يا قزم ، يا فسل ، يا ابن …..” يا قليل الحياء ، والأدب ، أين العقل منك ، والفهم ، والعلم ” …….
فلما رأي الوجه منه قد أخضرَّ ، وأصفرَّ، ومن شدة الغضب أحمرَّ كالجمر، حتى كاد وجهه أن يلتهب من شدة الغضب ……
وبدتّ عليه سحب الغضب ، فقام ،واعتذر علي الفور ، ثم جلس ، وكتم ، بل انزوى بعيداً ، وانسحب ، وأكتف الأيدي ، والتزم الصمت ، والأدب ، وبلم ، ولم ينطق ببنت شفة ، أو بفم ……
ثم قام ثالث ، ورابع ، وسابع ، ممن هم أتقنوا النفاق ، والتطبيل ، وتزويق الكلام بالباطل ، ليغطوا علي ما ارتكب هذا الأحمق من جرم ، فهاجوا عليه وماجوا ، وأغلظوا له في القول ، مع التأنيب ، واللوم ، ثم توجهوا له بابتسامةٍ صفراء ، لآوين أعناق الكلام ، وكان مما قالوا له من مديح ، وسناء : …
ــ ” قائدنا الملهم ، المفدَّى ، السيد المحترم ، يا من كله تقوى ، وورع ، وفهم ، وعلم ، وحلم ، وأياديه علينا لا تعد ولا تحصى ، أبانا الذي نفديه بأرواحنا ، والدم ، وقائدنا الهمام ، نرجوا ألا يغضب علينا ، ولا يهتم ، ولا يغتم ، بما قال له هذا الفسل ، القزم ، التافه ، الجرو الأغر ، الأخرم ، ولا يعتريه ذرة هم ، ولا غم ” …
فسُر بكلامهم ، ودعا لهم بالتوفيق ، ومزيد من العلم ، والفهم ، ومزيد من الرفعة ، وعلو الشأن ، ووعدهم بنشر أعمالهم ، وبأنه بهم سيهتم ، فقد اكتشف فيهم مواهب كثيرة ، وأدب جم ، قلّ أن توجد في مثلهم ، في هذا الزمن الغم ، وسيضعهم في دائرة اهتماماته ، وفي المكانة والمنبر المحترم ، وسيدخلهم التاريخ من أوسع أبوابه ، وأعطاهم حزمة من الوعود .. ” شُرْم ، برم ” ………
ثم لما قام من بينهم ناصح أمين مخلص يبغي للناس النفع والخير الأعم ، لم يعطه فرصة في الكلام ، ليتكلم .. فقط ليقل له :
ــ ” يا سيدي : نريد منك الأهم ثم المهم ، نحن نريد المساواة ، والمساواة في العدل حلم ، ولا نريد منك أن تسوقنا كقطيع من الغنم ، أين الشفافية يا سيدي ..؟! .. أين المساواة ..؟!.. أين الفهم ، وأين العلم ..؟! .. أين العدل ..؟.. ” …..
وهنا أعطاه بالقلم ، وقال له : من أنت ..؟!.. ومن تكون يا جرو ، يا واطي ، يا ابن الهرم … يا ابن الـ …… ” ……….
واخذ يشتمه ويزُم ، كُنهك ، أصلك ، فصلك ، وأين أنت من هذا العلم ..؟!..
كيف تجرأت بالإهانة ..؟.. وكيف تجرح ، وتذم .. اعتذر عن هذا الكلام ، وإلا ، وديني ستندم ، ولآت حين يفيد الندم ، ………
حينها غضب والينا المحترم ، وطاش منه العقل ، والحلم ، والعلم ، فقام منتفضا ً، مغضباً ، منهزم ، قام وانصرف ، وخلفه جُل القوم ، يهدئونه تارة ، وأخرى يقولون له : .. ” اطمأن ، سنجعله عبرة لمن لا يعتبر ، وسيعتذر لك ، أو يندم ، وإلا سنفصله ، ونطرده ، من حظيرة الغنم ، ومن نادينا العلم ، ونجعله عبرة لمن لا يعتبر ، وسنمضي علي ذلك ونبصم ” …..
فقال لهم : بوركتم يا قوم : وهو يبدي لهم شيئاً من الحزن ، والألم ….
ــ ” أنا كنت لم أنتوي الترشح ثانية عليكم ، فلما يسبني هذا ، ويشتم ” ….
وقال : الناصح الأمين ….
ــ ” ماذا قلت ..؟.. وماذا صنعت ، كي أعتذر ، أو اُفصل من النادي ، ومن عملي
وأقطع ، وأصرم ” …………
فقالوا له : ــ ” أنت لم تدرك حجم ما قلت ، وما فعلت يا سيد يا محترم في حق والينا المبجل ، العَلَمْ ..” ….
ألا تعلم أن هذا ولِيُّنا هو وليُّ النعم ، ألا تعلم يا هذا الصعلوك البُرم ، بأن والينا المفدَّى الأعظم لا يخطئ في كلامه ، ولا في أفعاله يصيبه العطب ، ولا يجرم ، ولا يمن على من أحسن إليه ، ومن غيره لا نعرف أن نتصرف ، أو نفعل شيء ،…. وأصر كلٌ علي موقفه من ثمّ … وهنا انفضَّ السامر ، وأسدل الستار ، ……
تلك هي القصة يا صاحِ ، فلتعي ، ولتفهم …………….
- شُرْم برم
- التعليقات


