لم نعتاد حين استيقاظنا صباحا على رؤية أبي يدخن ويستمع إلى الراديو الكبير المتربع فوق الكوميدونو في غرفة الصالون ، لأنه كان ينطلق إلى عمله في ساعات الصباح ومع توجهنا آلى المدرسة ، يرافقنا حتى طلعة آخر الشارع فنتجه يسارا ويحث خطاه يمينا . نفترق صباحا لنلتقي بعد سويعات الظهيرة .
اليوم كانت امي تجلس الى جانبه على غير عادتها تبكي بصمت وهي تردد : الله يرحمك يا جمال .
من هو جمال الذي تبكيه أمي ؟ وابي ينصت إلى ترددات حزينة كأن المتحدث يجلس في جنلزة ويقول كلاما لم أستوعبه انا كبرى اخوتي واخواتي ..السنوات العشر كانت لا تكفي للاطلاع على اسماء زعماء
او رؤساء ولا دول ..كانت المنافذ للثقافة شبه مقفلة عدا عن كتب القراءة والتاريخ في المناهج المدرسية ، زد على ذلك بعض المجلات التي بدأتُ بتقليبها اتابع صور الممثلات والمطربات.
كان أبي يدخن ويصب لنفسه القهوة من غلاية أمامه ، لم ينظر الينا كعادته ولم يتزحزح من مكانه ، عرفت ان شخصا عزيزا مات او رحل ، او….هل اتى امرا إدا حتى تردد امي : مش وقتو يا جمال ، مش وقتو .
اسبوع مر على وفاة عبد الناصر ، وصلت لمجلات ، لم اشاهد فيها سوى صور لتجمعات واناس يقطر الحزن من وجوههم ، نساء يبكين والكل متشح بالسواد ، صبية في عمر الورد تعلق ما يشبه اللافتة على صدرها : وداعا يا آخر الرجال، وافهم بقراءتي البدائية ان جميع الناس” في سائر انحاء العالم العربي ( وقد تعرفت الى اسماء دول عربية لم اكن قدد سمعت او قرأت عنها ) كلهم خرجوا إلى الشوارع ونظموا مسيرات الحزن والوداع ..وتداخلت الاوصاف والألفاظ والمفردات التي اكتسبتها اثناء التقليب في المجلات : قال سأبني السد وبناه ، صورة له في البزة العسكرية ، صورة في تلك البدلة البسيطة ، واحدهم يرثيه بعنوان : صفحة واحدة لا تكفي ..
وكبرنا ونشأنا نرى صورته في كل بيت ..مئات بل آلاف بعدها من صوره معلقة في صدر كل بيت ادخله ونتهامس : إنه جمال عبد الناصر …ولا نعرف الكثير من التفاصيل لكننا رأينا هذا العملاق يُبكي الصغير والكبير ..وما زال حتى اللحظة لا تكفيه صفحة ولا عجالة لنقول : ما احوجنا الى عدة رجال مثله للنهوض بالقومية المخذولة والنفوس المكسورة في زمن نرى زعماء لا يرف لنا رمش ان اختطفوهم أو سجنوهم او …او … فرق كبير بين الوالد والأب وزوج الأم …..
خمسون عاما على رحيل احد رموزنا العربية مهما نشر المدعون من مهاترات وادعاءات ومحاولات النيل منه .. نحن في زمن انهيار القدوة فإذا بنا نصنع ما بدا لنا ونشرعن ونتهم ونحلل حتى وصلت أخبار العزة والكبرياء والرفض إلى حالة التميٌُع .
- صفحة واحدة لا تكفي
- التعليقات


