هؤلاء الشواذ الذين يصنعون المصطلح النقدي!!.
مراسيم جنازة بسيطة.. بحضور أقرانه وأقاربه.. على الرغم من شهاداته والتزاماته السياسية، فلم يكن “ميشال فوكو” بطلا قوميا، وإنما هامشي مشهور.. مشاكس، مثلما كان “أندريه جيد” وبنفس الطريقة دس جثمانه في تربة مقبرة ريفية.
تلك كانت مقدمة المقال الذي خصصته جريدة “العالم” “Le Monde” لعام 2000. تحت عنوان مثير :” Foucault et Hervé Guibert, le compagnon d’agonie” ومثل “جيد” تماما كانت نهايته مثيرة للجدل. فأصدقاؤه يستنكرون صدور مقال قصير في جريدة “ليبيراسيون” ” Libération” يكذب فيه صاحبه أن يكون “فوكو” قد مات بسبب “السيدا” “داء فقدان المناعة” وهل من عيب أن يموت بالسيدا؟ أي أن يعلن عن شذوذه الجنسي. ” Quelle honte y a-t-il à mourir du sida – c’est-à-dire à afficher son homosexualité ?, protestent-ils ” وقد كان الرد من رفيقه الذي لازمه حتى النفس الأخير حادا إذ يقول:« سرقوا منه موته، وهو الذي أراد أن يكون المعلم.. وسرقوا حتى حقيقة موته، وهو الذي كان معلما للحقيقة.. لم يكن مسموحا قط ذكر اسم الجذام..»( )
انعزل “فوكو” في سنواته الأخيرة تدريجيا، غير أنه كان يحب رفقة الفنانين الشباب الذين لم يكونوا لا زملاء عمل ولا رفقاء لذة، فقد كان يفضل كما يقول الكاتب الأمريكي “إدموند وايت” ” Edmund White”:« الأمسيات الرجالية.. كلهم روائيون.. كلهم مثليون.. كلهم وسيمون بأشكالهم الرشيقة والغامضة.. قريبا من أولئك الممشوقين النحفاء الذين كانوا يحيطون ب “أفلاطون” في لوحة “تيودور شاسيريو” ” Théodore Chassériau “. » ( ) بيد أن الإحالة على “أفلاطون” لم تكن على لسان الروائي الأمريكي محض مصادفة. فقد كان “فوكو” في تلك الأثناء يشتغل على “تاريخ الجنس” ” Histoire de la sexualité ” ويهتم كثيرا بصداقات “أفلاطون” للشبان في المجتمع الإغريقي الذي أولى اهتماما بالغا بالجسد، تجاوز فيه حد التقديس.
كان “هارفي جيبرت” ينتمي إلى الدائرة الضيقة من الأصدقاء التي تحيط ب”المعلم” تربطه به علاقات يختلط فيها الأدب باللذة. يقول “إدموند وايت” ” Edmund White”:« وربما كان أفضل صديق ل”فوكو” لم يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر، فيه شيء من الجدية،وشيء من الهذيان.. » ( ) كان فيه شيء من الشحوب إضافة إلى بياض وجهه، مما يضفي عليه هالة ملائكية. غير أن هذا الملاك المقرب كان شيطاني المزاج والروح. وذلك ما أغرى “فوكو” وشغَّفه فيه.
يروي “هارفي جيبرت” لقاءه الأول مع “فوكو” عام 1977 مع صدور كتابه “الموت دعاية” ” La Mort propagande” فقد أُخِذ “فوكو” بذلك النص -الذي اتسم بعنف سادي يقف على حدود المحتمل- أيما مأخذ، وهو الباحث في “تاريخ الجنون في الزمن الكلاسيكي” ” l’ Histoire de la folie à l’âge classique.” فقد كان النص ضربا من الهذيان حول تدهور الجسد، والمتعة الناجمة عن الألم والتشويه. يقول “هارفي جيبرت” :« إن جسدي مختبر أقدمه عرضا، إنه الفاعل الوحيد، والأداة الوحيدة لهذيان أعضائي.. تنويعات وتزيعات.. من الجنون.. من الألم.. على قطعة من اللحم.. أرصد كيف يشتغل.. أسجل إنجازاته..»
ويبدو أن النص الأقرب إلى مزاج “فوكو” هو من دون شك نص “العميان” ” Des aveugles” الذي نشر بعيد وفاة المؤلف، والذي أهدي إلى “الصديق الذي مات” “« A l’ami mort »” إنه النص الذي يعطل فيه “هارفي جيبرت” حاسة البصر، ليتخيل أجسادا في مؤسسة للعميان، يحوِّل فيها الشبان أجسادهم إلى آلات لإنتاج الأوهام والخيالات السادية، وتجاوز حدود اللذة والألم. إنها القصة التي تجسد فكرة اعتبار الجسد مختبرا حيا، تزاول فيه شتى أنواع التشويه والتعذيب.
ربما نتساءل من أين أتت تلك الغواية التي يمارسها هذا الملاك المتشيطن على الأستاذ البارز؟ فيقدم لنا “هارفي جيبرت” نفسه الإجابة في نصه الذي خصصه لمرضه، والذي نشر أربع سنوات بعد موت “فوكو” والذي عنونه بعنوان غريب ” إلى الصديق الذي لم ينقذ حياتي” ” A l’ami qui ne m’a pas sauvé la vie ” فهو عبارة عن رواية سيرية يظهر فيها “فوكو” تحت ملامح “الأستاذ موزيل “Muzil” والذي يميط فيه الروائي الحجاب عن شخص ثان، مسكون بنوبات عنيفة.. له جانب أسود، صار يستسلم له طوعا ويتلذذ به أكثر فأكثر. فمن نافذة “هارفي جيبرت” الذي كان جارا له.. يراه يغادر مساء في جولات إلى الحانات الباريسية المريبة.. « وقد وجدوا في بيته بعد موته كيسا كبيرا محشوا بالأسواط، والأقنعة الجلدية، الأرصنة، والألجمة، والأصفاد..»
لقد اعتاد “فوكو” أثناء إقامته المتكررة بالولايات المتحدة الأمريكية، زيارة الأحياء المثلية ل”سان فرانسيسكو” وعلبها السادية. «لقد كان يعشق الجنس الجماعي في الحمامات البخارية» لقد بلغ “فوكو” مرحلة من حياته امتلك فيها جرأة مواجهة شذوذه الخاص، وشياطينه الداخلية.. لقد وجد في “هارفي جيبرت” الوسيط الذي مثله لا يجرؤ فقط على أن يعيش تجاربه الشاذة، بل يتجرأ فيتحدث عنها.. إنه المترجم الذي يحوِّل تجاربه إلى مادة لكتبه. فقد جسد في نهاية الأمر “واجب الحقيقة” ” devoir de vérité ” ذلك المفهوم الذي كان يلاحقه “فوكو” في “تاريخ الجنس”.
يواصل “هارفي جيبرت” – الذي كان يعلم أنه سيقضي بمرض السيدا هو الآخر- وصف احتضار “فوكو” وتدهور حالته الصحية في المستشفى، يصف ألمه.. وكذلك مرحه الشجاع أمام الموت. فقد كان “هارفيه” وهو يشاهد احتضار صديقه، يشاهد موته الخاص يُجسد بين بيديه في جميع أشكاله.
لقد أحدث نشر هذا الكتاب أثرا عاطفيا كبيرا في عام 1990. فقد تساءل الناس بأي حق يجوز نشر أسرار الموتى الذين عرفناهم عن قرب؟ بيد أن جوابا يفرض نفسه! إن للموتى الحق أولا في الحقيقة! لم يكن “فوكو” يخفي نفسه! لقد كان إنسانا حرا! والواجب على أصدقائه أن يظهروه في حقيقته، وليس عليهم إخراجه في حنوطه. لقد صور “هارفيه” “فوكو” في ملامح الأستاذ “موزيل” لأن فوكو كان يحب الأقنعة، ويسعى إلى الخفاء. ربما كان سعيدا أن يختفي في جلد “الانسان عديم الميزات” ” l’homme sans qualités” غير أن الناس تعرفوا على “فوكو” تحت قناع “موزيل”.
لم يكن “موزيل” الذي كان يخرج مساء في بذلته الجلدية السوداء ليصطاد في حانات المثليين، أو يتعرض للجلد في “سان فرانسيسكو” إلا شخصية هاذية من الشخصيات التي تسكن عالم “هارفيه” المليء بالأطفال المنحرفين، والعشاق المعذبين، والأطفال المنتهكين، واللواطيين الجوعى. ولم يعامل الكاتب “موزيل” بطريقة مختلفة عن هؤلاء المحبوبين المكروهين.. الموصوفين من غير حياء ولا وقار في الكتاب الذي عنونه “هارفي” ب “أبواي” ” Mes parents”.
كان “هارفيه” يحلم بأن يصبح كاتبا كبيرا.. كان يبحث عن عراب مرموق يكون له تابعا ومريدا. لقد اتصل أولا ب”رولان بارت” ” Roland Barthes ” بعد صدور كتابه الأول “الموت دعاية” ” La Mort propagande ” عام 1977. إذ يقول:« أحببت بارت.. كانت لي رغبة في بارت.. ولبارت نفسه..» ثم ترك نسخة من كتابه في بيت “المعلم” في شارع “سارفونديني” ” rue Servandoni”. لقد أثر هذا الكتاب المثير في الأستاذ الشهير.. فيرد عليه “بارت” كتابة، مقترحا عليه اقتراحا غريبا..:«أريد أن أتحدث معك في العلاقة بين الكتابة والاستيهام والرغبات الخفية.. ولكن من غير أن أقابلك..» وبذلك تبدأ مراسلات مشبوهة.. ولم يبطل سحر ذلك التراسل الأدبي بينهما إلا يوم أن كشف “بارت” عن أوراقه، حينما طلب من “هارفيه” نصا. يقول “هارفيه” :«لقد جعلني أكتب نصا.. وكان عليه أن يكتب مقدمته.. ولكنه اشترط شرطا.. أن أعاشره.. ولكن ذلك محال بالنسبة لي.. في تلك الفترة لم أكن لأقدر على أن تكون لي علاقة برجل في مثل سنه. »
لقد صدمت رواية “هارفيه” “فوكو” الذي استجاب وطلب مقابلة المؤلف. ووجد فيه هذا الأخير ما لم يجده في “بارت” : «معلم.. تأثير معنوي.. » وبينهما نشأت علاقة قائمة على ضرب من الفتنة المتبادلة. كان “فوكو” يتمتع بسلطة ثقافية معتبرة.. لقد صنعت منه الشهرة الإعلامية ل”الكلمات والأشياء” ” les Mots et les Choses” المعلم المفكر الجديد للأنتليجنسيا الفرنسية. وأعطته تدخلاته لصالح السجناء، والمغتربين، والمثليين.. نفوذا معتبرا في نفوس الشبيبة الطلابية. إنه بحق وريث روح ماي 1968. وإنه إلى جانب ذلك صاحب قلم باهر..
عندما التقى “هارفيه” ب”فوكو” كان هذا الأخير قد أصدر تباعا سلسلة من الدراسات.. “المراقبة والعقاب” ” Surveiller et punir” حول مجتمع السجن، و”إرادة المعرفة” ” La Volonté de savoir” الذي قدم على أنه الجزء الأول من سلسلة طموحة عن تاريخ الجنس. لقد كانت أعمال “هارفيه” كلها مخصصة للجنس.. إنها اعتراف متسلسل عن مطالب.. وآلام.. ونداءات المثلية. فكل لذة، وكل انتصاب، وكل متعة، إنما تشكل حقيقة الرغبة.. فهي الدليل الوحيد على الوجود.. والكتابة عنها ضرب من الاستمناء الطويل.. فالكتابة، والحياة، والجنس، بالنسبة ل”هارفيه” و”فوكو” حقيقة واحدة. ووجود الجنس في كل الخطابات المعاصرة، ليس دليلا على “تحرر” كما يحلو للبعض رؤيته، وإنما هو من قبيل الشعور بالذنب في المجتمع.
لقد مات “فوكو” في سرير المستشفى وفي يده قلم يصحح به كتابه الأخير “هاجس الأنا” ” Le Souci de soi.”.
