الانهيار الحقيقي ما يأتي من الداخل ما يصدع البنيان ويهشم الركائز، ما ينخر الأوتاد ويسمح للماء بالجريان فيهيل البنيان بأكمله..هذه الحقيقة المرة التي قيدت رغبتها في أن تهدم كل شيء وتمضي، تحيك واجهة من ذكريات بتصورها غدت هشة للغاية، يمكن لها أن تجزم بأن كل شيء قد تغير، تلك الحياة الوادعة وسيمفونية الحب والغرام والشموع المضاءة في أكواب زجاجية كروية..الطاولة التي تتزين بطبقين من الخزف الصيني وباقة من الورود الحمراء تتوسطها بعبق يغمره لون الحب..الكثير من الهدايا، العطور، الحياة الرومانسية والكثير من..طأطأت رأسها حَزنا على ما هي فيه..ثلاثة صغار كانوا كفيلين بالإطاحة بها من مملكتها العاجية إلى أكوام الملابس المتسخة، حفاظ الرضيع، الأطنان من الأطباق المتسخة، الأرضيات المليئة ببقايا الطعام، الحلوى السكرية الدبقة، زجاجات الحليب ورؤوس الدمى تحدق بعينين تبدوان بكامل قوتها..والكثير الكثير من الأشياء المخبئة تحت الأسرة وفي الخزائن وفوق الرفوف..تطيل النظر إلى صورتها على سطح مرآة بإطار ذهبي، كانت يوما تسألها من تراه أجمل مني؟؟ شعرها الكستنائي الحريري اللامع، وجهها الدائري بعينين واسعتين، موج من البحر الأزرق الداكن، وجنتين حمراوين، شفتين ممتلئتين وغمازين يضفيان جمالا على روحها، لكن نهلة هذه طوتها دفاتر الشقاء فهاهي تقف بجسد هزيل وصدر ممتلئ وتلك البقعة الدائرية حولهما والتي تترك أثرا على كل ملابسها، بقعة من الحليب الذي أخذ بالتدفق من حلمتين بنيتا اللون بعد ولادتها لصغيرها الأول ثم الثاني ثم الثالث، لم يكن بين أي منهما متسع من الوقت لتستعيد نضارتها، إعادة رشاقتها ولذلك الخصر النحيل ولتكويرة ثدييها، فهي أمام امرأة أنهكها الحمل والولادة وتعاني بشرتها من الكلف البني وهالة سوداء أسفل العينين، لم تعد تذكر أنها تستطيع النوم أو كيفيته، مفهوم النوم ذاته لم تعد تتيقن أنها تعرفه، أزالت تلك العقدة التي تجمع ما تبقى منشعر هزيل وشعرات بيضاء بدأت تجتاحه باهتا ضعيفا بالكاد التصق بفروة رأسها، بعد أن تساقط الكثير منه وقد ظهرت مقدمة رأسها عارية بعض الشيء، أنزلت خصلتين وثبتتهما بدبوسين وأعادت جمع ما تبقى بتلك العقدة.. لم تعد ببساطة تلك المرأة المثيرة التي تقضي وقتا طويلا أمام المرأة ، تتأمل ذلك الفستان الأسود الذي تتناثر عليه حبات من البرق اللامع وتلك الفتحة المثلثة التي تظهر صدرها بخط رفيع جذاب وذلك العقد اللؤلئي الذي يحيط بعنقها وحبتان من اللؤلؤ تتدليان من أذنيها.. كم دورة كانت تدور حول نفسها والعطر الأزرق يتناثر حولها بسحابة شفافة..؟؟ لم تعد تجيد الرقص بقدمين متورمتين وجسد سمين، لم تعد تذكر منذ متى انتعلت أحذيتها ذات الكعب العالي كدبوس بطول أربعة أو خمسة سنتيمترات؟؟ لما لا لما لا أعيد التفكير بنفسي مرة أخرى؟؟ تأملت نفسها في المرايا التي تغطي خزانة ملابسها..فكرت ترى أي ثوب سترتدي؟؟ أي منها؟؟ أممممم.. اللون الأحمر الفاقع المكشوف الظهر الذي ارتدته في عبد زواجهما الأول أم التركواز الذي ارتدته في ليلة عيد ميلاد زوجها أم الأخضر بياقته الذهبية.. أم الثوب الأصفر بشقه الطولي الذي يصل إلى ما فوق فخذها؟؟ وأي منها يبديها أكثر إثارة؟؟ حاولت ارتداء ذلك الثوب الطويل ذي الشرخ ما فوق الفخذ، لكنها لم تستطع لقد كان ضيقا جدا كما لو أنه لم يكن لها يوما.. صوت الصغار يتعالى بعراك ساذج لم يجعل لها وقتا لتذرف دمعة واحدة، حبستها عنوة ودفنت حشرجة غريقة في صدرها، أعادت ثوبها على عجل وهي تلغي ذكرى بائسة بعيدة، الرضيع يطلب ثديها لا تدري لما لم تعد قادرة على التفرقة بين أسمائهم فهي تخلط فيما بينهم؟؟! لكنها بالتأكيد تعرف أنها ماما، ماما. نائل فضل البقاء خارج الشقة الصغيرة طيلة النهار وساعات العمل الإضافي في الليل، بالكاد يتناول طعامه ويلقي بجسده كجثة هامدة ليرتفع شخيره، لم يأبه لسحابة تشرين وأمطاره التي ترصف الطرقات، هي لا تجد متسعا لذلك لتفكر بغيابه وهو يبادلها الشعور نفسه، برودته التي لا تضفي حميمية لتبادل أطراف الحديث، بالكاد يحتسي فنجان من القهوة الداكنة وقد قشرت سرعتها تلك الغشاوة الرقيقة، لم يكن هناك تبادل للزيارات مع الأصدقاء. الفرصة الوحيدة التي كانت تربطها مع ما حولها هو عملها في قسم حماية الأسرة والاستماع لمشاكل الكثيرين وتوثيقها، الاعتداء على الصغار، الإهمال، الهروب والاغتصاب وتلك الأحاديث الجانبية لصديقتيها في العمل سناء وهدى، سناء تبرر فشلها في بناء أسرة وطلاقها بأنها عجزت أمام تعنته وسوء خلقه رغم ما يدعون هم عديموا النفع وبأنهم لا يؤمنون بالطرف الآخر، أما هدى فكانت على خلاف ذلك تهمس في أذنها أنها تحاول جاهدة الخلاص من طاعة زوجها المفرطة لها، كل منهما يهمس في أذنها “لا تجعليه يتحكم بك.” لكنها لم تكن تؤمن بتجربتيهما، نائل شيء آخر السنوات الأولى من حياتهما كانت أجمل من أفلام السينما، لكنه تغير بمجيء الصغار لم يعد يعرف ما الذي عليه أن يفعله وهي كذلك؟ فجأة أصبحت نهلة أمّا ونائل أبا، الوقوف على الشاطئ والتمتع بنسيم البحر لم يعد ملاذها، والأنواء تتلقف تلك السمكة المتوثبة فوق الصخور، هي لا تملك القوة الكافية لتبقى صامدة أمام كل هذا، لقد أضناها التعب هي لن تخسر نفسها بل عليها أن تفيق. لم تعد تحتمل كل هذه الصور المحطمة وذلك البركان الهائل الذي ينزف من كل جسدها لن يمهلها الكثير لتنهار و نائل يقف محايدا، وهي ستذعن حتما طواعية للفرار..إنه الحل ستتخلى ببساطة عن كل شيء..وتنسل من العجين من الماء من أي شيء لا يهم.. ارتدت معطفها على عجل والمطر يطرق نوافذها الصغيرة، كانوا ساعتها في نيمة لم تعتدها يمكن لها أن تستقل قطار الهروب المتجه إلى بوابة الحرية، يمكن لها أن تمر على حروف العالم دون أن تنتظر شفقة أحد، تريد فرصة واحدة. أغلقت الباب وضعت المفتاح تحت السجادة أمام الباب، عبرت الدهليز لتتلقفها رياح تشرينية وقطرات المطر البارد تسقي تربتها العطشى، تريد أن تملا رئتيها بالهواء البارد المشبع بأكسيد الحرية، لأول مرة تسمع وقع قدميها بوضوح تام مع وقع المطر وتتابع النظر لتلك الدوائر المتتالية وهي تدلك جسدها المتصلب، أخذت تعد خطواتها حازمة قوية تتراقص بسيمفونية لم تعد تعزفها منذ زمن، أخذت الأضواء المنكسرة تتمايل فوق سطح المستنقعات. لم تستطع إكمال العد لم تستطع الجزم إلى أي رقم وصلت!!؟ أكان أربعة عشر أم خمسة عشر؟ حين وصلت إلى مفترق الطرق صورهم أخذت تُسري في جسدها قشعريرة تذيب الجليد في قلبها، بكاء الرضيع يخترق أذنيها ورائحة أعواد الثقاب وهي تتساقط الواحد تلو الآخر، تستطيع تميزها بوضوح، مقابس الكهرباء المياه الساخنة الأدوات الحادة، لم تعد قادرة على التفكير أكثر. دوامة في نفسها جعلتها تسمع صوت أنفاسها ودقات قلبها المتسارعة وهي تلتهم الشهيق وراء الشهيق، استدارت وهي تكيل اللعنات لغرورها كم من الخطوات عليها أن تقضم حتى تصل إلى حيث الصغار؟ لم لم تفكر بهم؟ وكانت أنانيتها المفرطة تحرك دميتها، ألم تسمع عن أم هجرت صغارها واستهجنت ذلك؟! لما لم تفكر بأنها حياة أخرى حياة الأمومة التي تلتهم الشقاء لتنجو بالفراخ، ويلي.. السكون المطبق يكيل لها طعنات الانتقام عن أي خارطة تبحث وخارطة الأمومة أسماها؟ عليها أن تنهب الطريق ولكن لم تراها بعيدة، لكنها ريحهم، ذاك بيتها وذاك عش صغارها، ذاك سكن الروح. عبرت بمعطفها المبلل وحذائها الغارق، هو ما ترك أثره على الأدراج صاعدة، تناولت المفتاح وأدارت مقبض الباب على فلذة كبدها بهدوء، خلعت معطفها وحذاءها، في نيمتهم وادعين، قبلتهم بعينيها، دار مقبض الباب وتلقفت نائل في الأحضان.