يوم جلائه عن البلدة كان يومًا مشهودًا. سهرت القرية ترقص وتغني، وتوزع الحلوى على الصغار والشراب على الكبار. ظلَّ الناس لسنوات يؤرخون به فيقولون: تم ترميم المسجد الجامع بعد شهر من خروج الدجال، دُشنت محطة السكة الحديد بعد شهرين من خروج الدّجال، بُني المستشفى الكبير عام خروج الدجال. حُرقت الشونة قبل أسبوع من رحيل الدجال.
لا أحد يدري بالتحديد متى حطَّ رحاله بينهم كجاثوم بغيض، عاث في الأرض فسادًا بضع سنين. طالت شراراتُه بيوت البلدة قريبها وبعيدها، فلم ينجُ من لدغاته صغير ولا كبير. انتشرت البدع والخرافات. تحت وطأة الجهل والخوف خضعوا لتعاليمه أذلة صاغرين. تسابقوا إلى عمل الأحجبة والزار وتلبية أوامر الأسياد. بسط سطوته على القرية الوادعة والقرى المجاورة. فما كان بوسع أحد من الأهالي أن يبرم أمرًا ذا بال، فيتزوج أو يسافر أو يبيع أو يشتري إلا من بعد أن يأذن ويرضى، ومَن جرؤ على مخالفة أمره صار عبرة لمن يعتبر، ومثلًا تتناقله الألسن ويسير بحديثه الركبان.
ضحاياه في كل مكان بين مربوط ومسلوب ومحروق ومبطون، فإذا جاء الضحيّة صاغرًا نادمًا وأدى الإتاوة مضاعفة ملتمسًا الصفح والغفران، فُك الربط وعادت المسروقات وأمنت الأرض والدار من الحريق وشُفي المريض. عيونه مبثوثة صباحًا ومساء. لا يخفى عليه منهم خافية، ولو كان سرًّا بين المرأة وزوجها، أو الولد وأبيه أو الأخ وأخيه. الناس بين سائر في ركابه طامع في رضاه، وبين مستسلم لجبروته مشفق على نفسه وأهله وماله، خائف من أذاه.
وحده الطبيب الشابُّ العائد من الخارج افتتح عيادته دون إذنه. لم يقدم كغيره فروض الطاعة والولاء. ولم يأخذ التهديدات الكثيرة على محمل الجد. بدوره استخفَّ الدّجال بخطره، استصغر شأنه وأنف أن يتصدى بنفسه له فوكل به بعض معاونيه ليكفيه مؤونته. لم يُجدِ معه ترهيب ولا ترغيب. استطاع الطبيب أن يستميلهم، حاول تبصرتهم بدجله. بدأ الناس يفيقون ثم يعصون ثم يغضبون ثم يثورون. انقلب السحر على الساحر، فعزم على الانسحاب، لكن عزَّ عليه أن يحمل عصا التّرحال مهزومًا، فكانت أيامه الأخيرة عصيبة على أهل القرية، إذ كثر السلب والنهب والخطف والحرق.
تنفس الجميع الصعداء بزوال الغمة. عادوا سيرتهم الأولى، وقد انزاح الكابوسُ عن صدورهم. مرّت أعوام طويلة هادئة هانئة، ثم اجتاحت القرى فجأة عاصفة عاتية من الشَّعوذة والدَّجل. لم يعد الدَّجَّال هذه المرة بنفسه، ولكنّ الصبية المخطوفين آنفًا عادوا شبابًا حاذقين. للأسف لم يكن الطبيبُ المنقذ موجودًا.

أضف تعليقاً