الثلوج بدأت بالنزول و البرد يجعل الأطراف تتجمد.. تمر عناصر الشرطة فيقف بجانب إحدى العائلات التي تضع حقائبها أمامها في انتظار العبارة.. الميناء يعج بالمسافرين تحقق الشرطة في كل وجه غريب يشتبه فيه بالتسلل إلى الميناء و البرد يحقق في الأجسام الضعيفة فيصيبها بالوهن.. ساعدته بشرته البيضاء و خصلات شعره الأشقر في المشي بين المسافرين و الشرطة دون أن يحدث أي تساؤل لدى أحد.
يترك خصلات شعره تطل من تحت قبعته الصوفية و يحيط رقبته بوشاح سميك. احمرت خدوده و أرنبة أنفه.

لم يحب هذا البلد و مدنه أبدا و لم يكن في نيته البقاء مع كل من وصلوا في معتقل يطلقون عليه اسم مخيم. ساعدته إحدى مواطنات المدينة بملابس شتائية أوروبية سميكة تقيه برد هذا البلد و برد البلد الذي سيتوجه إليه.. وقدم له صديقه خدمة لن ينساها مقابل ما تبقى لديه من مال .. تناول الأوراق المالية و قد لمعت عيناه :
-سأحجز لك مكانا معي لدى صاحب الشاحنة! ما عليك سوى الحضور إلى الميناء و تحاشي الأنظار قدر المستطاع.. أرجو أن يساعدنا قريبك في لندن عند وصولنا !..
يقولون أن قريبه أصبح مسؤولا كبيرا لدى الدولة التي كانت الشمس لا تغيب عنها في الماضي..
عبارات تغادر و أخرى تصل.. تأخر الوقت.
تمسك بأمل قدوم العبارة المنشودة و تلقي اشارة من صديقه. طرد شبح فكرة تعرضه للتحيل. عزم على البقاء و الانتظار.. خيم الظلام على الميناء.. زاد من وحشة المكان و كآبته تقلص عدد المسافرين.. وصلت إحدى العبارات على متنها شاحنة بضائع مغلقة . أطفت الأضواء. شرع عاملان في تنزيل البضائع و تفريغ الشاحنة.. حانت التفاتة من أحد العاملين فابتسم و لمعت عيناه متأملا أن تنجح المهمة ككل مرة.. وفي غفلة مصطنعة من العاملين و مساندة طبيعية من الظلام لم يشعر إلا بنفسه وسط الشاحنة . لتغلق الأبواب الحديدية بسرعة.
بين الأجسام الصلبة و العيون الباهتة اتخذ شبه مكان. البرد بدأ بمغادرة أطرافه و حل محله الدفء الذي ظلت درجاته ترتفع حتى تحول إلى قيظ. قيظ ظهيرة القرية و صيفها الجاف.. سنابلها الممتلئة.. أسماك بحيرتها اللزجة الماهرة في الانفلات.. نار تنور أمه اللاسعة ..الكيس البلاستيكي و الأرنب التي تختنق.. تنتفخ أوداجها .تلهث. تبهت العيون و تغادر واحدا تلو الآخر هذا العالم البائس ..
وبين ظلام الليل وظلام الشاحنة كان ظلام القبر فائزا بدون منازع..