..جلس يدخن سجارة حشيش اخرى، في ركن من ساحة المقهى، بعد ان انتهى من لعب الورق وخرج.. طفتِ الصورة الى سطح دماغه، وارتسمتْ بين عينيه كشاشة لا يمكن إلا ان يغرق فيها بصره. كان مشغولا عنها بينما هو منهمك في اللعب واللغط وخبط الطاولة بقبضة تستطيع ان تروض الحظ ولو للحظات.! فرأى الرجل ممددا على الارض ، والدماء تسيل منه، بعد ان انقذف من السيارة، وهي تتدحرج ظهرا لبطن جراء انزلاق كان قاتلا بسبب سرعة مفرطة في جو ماطر.! سمع صوتا داخله يلح بارتجاف :
– .. لم يكن قد مات حينها.!
– بلى، كان قد مات.. حين ادخلتُ يدي في جيبه.!
– كان جسده دافئا بعد. ؟
– بل باردا..!
– انت كنت باردا لان حرارة الاسراع لم تمنحك فرصة ان تعرف أميت هو ام لازال به نبض.. بل لم تبال حتى.!!
– نعم كنتُ اخشى ان يراني احد ، رغم الخلاء ، فالتفتُ حولي اكثر مما التفت إليه.!
– لم تكن تسمع سوى نداء جيبك الفارغ، وانت في طريقك الى المقهى، كعادتك عند المساء. وكان وجدانك جيبا خال من ضمير. ؟
– الضمير، الضمير..! أبالضمير اشتري سجارة، ام يمنحني صاحب المقهى قهوة مقابل الضمير في جو ماطر كهذا.! ؟علي وحدي ان احرص على الضمير.! ؟ ومن له ضمير في زمن يأكل القوي الضعيف نهارا جهارا.! ؟ لو كان هناك ضمير لَما كنتُ بلا مال اخوض الوحل تحت المطر في طريق طويل الى المقهى.! ؟ الضمير لايطعم جائعا، ولايغني فقيرا.! وهو نفسه خال من الضمير، وسيارته الفخمة المدعوكة كورقة في قبضة تؤكد انه واحد منهم منعدمي الضمير اولئك، كُروشُ الحرام. ؟ إنه رزق سقط امامي، ولم اسرقه، بل اخذته فقط من جيوبه.! صحيح، رزق يسيل من جرح، لكنه رزقي، مكتوبا لنصيبي كما كتب له ان ينقلب بسيارته ويلقى حتفه.!
– ألم يكن الاجدر بك ان تحاول انقاذه، إن كان به رمق من حياة، بدل ان تُفتش جيوبه وتنزع ساعته وتنشل هاتفه الثمين.! ؟
– ومتى انقذ الغرقى بعضهم بعضا.! ؟ انا ايضا كنت انزف غرقا، منذ زمن، غرقت في جيبي الفارغ كمغارة سحيقة، وظلت يدي ممدودة، قابضة على حبل من رجاء، ولا مغيث.!
– صحيح، لم تنو ان تفعل ما فعلتَ، لكن ما إن رايتَ الهاتف الثمين، حتى امتدت يدك الى جيوبه، دون تردد، ولم يخب ظنك، إذ عثرتَ على حزمة من مال اسالت لعابك الجائع، فاسرعت ولم تبال أ حي ام ميت.!
– جيبي الفارغ كان ثقلا من حجر احمله فوق ظهري، لهذا استراح كاهلي المتعب حين وضعتُ حزمة المال في جيبي، وصار طريق المقهى سالكا امامي. صحيح تركتُ الجرح ينزف، لكني اوقفتُ نزيفا من جرحي، ولو للحظات.! فالافضل ان تكون جارحا لا مجروحا.!!
داس على عقب السجارة، كأنه يدوس على مابداخله من صور يريد تمزيقها عن سطح ذاكرته.. ادخل يده في جيبه يتحسس الاوراق المالية التي نفخت فيه دفئا غير معهود. كان المطر قد عاد خفيفا كالرذاذ.. لكن الشخص الذي جلس الى جانبه، جعله يخرجها ليصافح يده الممدودة كالعادة.. لم يكن في داخله يرحب بجلوسه الى طاولته. كان ينفر منه، ولايرتاح اليه رغم انه مدمن مثله. لكنه فرض نفسه عليه، وجلس.! وبعد كلمات تقال عادة ، في مثل هذه المواقف،تصاحبها نظرات كصنارة تختار المكان المناسب لتغطس بطعمها، قال له الجليس الثقيل، وهو يركز نظرة معتمة في عينه المتوجسة :
– اريد سجارة حشيش.. المطر، الوحل، البطالة، ” الحزقة”، ولا سبيل امامي الى الدرهم في هذه الايام،تفو…
– انا مثلك.. آخر سجارة انهيتها.. ” حازق” مثلك.!
– دعنا من المزاح.!
– والله، بصدق..!
– دعنا، دعنا…
قالها الجليس الحشري، مع ابتسامة كأنها تقول: اعرف ما فعلتَ، ولا داعي للكذب.! فرد، متوترا :
– قلتُ لك انا مثلك تضربنا ” حزقة” واحدة.! وانت تصدع راسي المصدوع.. الله يلعن دين المقهى والحشيش..!
اراد ان ينهض، غاضبا، لكن جليسه مد يده يهدوء، وشده الى الكرسي، قائلا بنبرة تحاول ان تحتال على توترها المكتوم :
– لا تتنرفز بسرعة ، ياصاحبي.. دع الامر بيننا، دون ان يلتفت الينا احد من زبناء المقهى الهاربين من المطر ومن بيوتهم الباردة..
– أي امر..! ؟ انا لايهمني احد..!
– يهمك..!
– ارجوك دعني انهض، ولا ارفع صوتي اكثر.!
– ليس في صالحك..
– انت مجنون..!
– ماذا فعلتَ هذا المساء.! ؟
سرت قشعريرة في جسده، اجتاحته موجة ارتباك، خفض بصره قليلا. ثم عاد وركز عينه على جليسه الهادئ كمن صوب سهما الى النقطة الصحيحة، وقال متظاهرا بالتماسك واللامبالاة، وبنبرة لم تفلح في اخفاء اهتزاز عميق، مع ابتسامة بدت باهتة بلهاء :
– ماذا فعلتُ..! ؟
دعك من هذا.. يكفي ان تلف سجارة حشيش.!
– قلتُ لك ليس معي حشيش..! ” حازق”، ” حازق”، ” ألخرى”..
– لا داعي لتأخذ مفرداتك من التواليت.! السيارة.. أنيستْ..! ؟
احس يد جليسه المسلط كالغراب تنزلق باردة بين جلده ولحمه كانها تسلخ كبشا مذبوحا يوم عيد.. عاد وسحب جلده ليتماسك من جديد، ألبس ملامحه سمة الانكار الشديد، وقال بسخرية مستعارة :
– أي سيارة..! ؟ مجنون، بلاشك. ؟
حاول ان ينهض. ان يهرب. لكن يد جليسه العابثة امتدت الى الهاتف، بعصبية من نفذ صبره، وقال مركزا عليه نطرة صلبة واثقة:
– انظر، ايها المجنون الحقيقي.!
شغل الفيديو.. راى ما فعل في حادثة السير على الشريط.. انهار على الكرسي. تدفق العرق من مسامه.. امتدت يده دون ان تستأذنه الى علبة السجارة، وضعتها على الطاولة، والى الحشيش.. قال له جليسه، بلذة المنتصر:
– لا تقل، ياصغيري، خالية حتى تخلو منك.! لكن هذه هي الحياة، نلعق من جراح بعضنا البعض، نرتوي من دماء بعضنا البعض.!!
لم يقل حرفا.. كانت الغيوم قد بدأت تتمزق عن بقع زرقاء، والريح تهب رذاذا كأنه البصاق. احس قطرات باردة لزجة تنزل على وجهه. رآى جسده يتفكك، ويعود عجينة قبل ان تأخذ شكل خبزة.. اراد ان يصرخ، لكن رعدا في الافق غطى على صوته.. رآى نفسه ينمسخ حمارا. حمارا مثخنا بالجراح، بعد ان افلت من المخالب والانياب.. وكانت اسراب من الحشرات تلاحق بابرها الصغيرة الجراح على ظهره.. رأى جليسه ينمسخ طائرا قبيحا، افرد جناحين كجناح الخفاش، وحط على ظهره.. إستل منقاره الحاد، ولم يبال.. اراد ان يستعمل ذيله، لكن حين التفت وراءه وجده مقصوصا، ورآى الغابة كعهدها الوان من الانياب تترصد خلف الادغال، فانطلق هاربا بجراحه، تتبعه الحشرات، والجناح الاسود..!
- في بورصة الجراح
- التعليقات