للكاتب ياسين خضر القيسي
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
النص المبدع هو الذي يخترق توقعات القارئ،يحطم فيه الأشكال النمطية للمعاني المألوفة، يخرج به إلى أرض ممتلئة بحيوية الدلالة،نص تتراكم فيه الصور و الإحالات، هو ما نسميه “المعنى الممسوس” الذي يخبط من البداية إلى النهاية يشكل تمفصلاته السردية، والذي نحتاج فيه إلى قارئ نموذجي؛سوبرمان .
النص الجذاب هو الذي يكشف لنا عن كل زينته؛يتبرج و يبحث عن قارئ عاشق وَلُودٍ يُعيد إنتاج النص على غير الهيأة التي كتب عليها ،وهنا يأتي نص “الشحاذ” الفائز بالمرتبة الأولى ،إنه نص يحمل رصيدا يعيدنا على النصية الكبرى لنجيب محفوظ والغيطاني حيث تلك البيئات المتورمة و المجروحة ،تلك البيئات التي يسكنها الفقر و الفاقة و العوز ،نص يحمل هوية سردية بتعبير بول ريكور .
فالشحاذ مسلوب من كينونته،مجروح من جهة الانتماء ،يدل على حالة بائسة،ولكنه في الآن ذاته يرسم بشكل طوبوغرافي رمزية شديدة في التعقيد إنه يحكي عمق المجتمعات العربية،مجتمع الحرافيش و العشوائيات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية ،الشحاذ يحمل دلالة تتقافز فوق بعضها، تحاول كل دلالة أن تبرز و تظهر على جسد النص، ولكنها سرعان ما تنسحب لدلالة أخرى مثل الكائنات المنوية تتقاتل فيما بينها و لكن عنصر الحياة يبقي للأقوى دائما .
فالدلالة القصوى وحدها من تبقي الأثر الأقوى في نص دلالي التعدد و المُختَلِف .دلالة تملك القول و تسحبه، فقوة النص هنا تكمن في تلك الميتا-لغوية التي يعتمدها المؤلف ليدلل على العناصر الفيزيائية لشحاذه ،شحاذ ككل الشحاذين لكن ما يميزه أنه درويش “بُوهَالي” بلغتنا الجزائرية ،بدل أن يمدح المانح يهجوه ،:”ترن الطاسة التي وضعها أمامه فتوقظه لينظر أن كانوا ،غالبا ما كان يشتم المارة أكثر مما يدعو لهم ” هذه اللغة الواصفة التي ينفتح فيها الباب واسعا للوصف الأخير الذي يُعبِّر عن مقدرة سردية عليا،كما قال تودوروف “السرد هو الوصف “، هو التسريد الذي يشتغل على الفضاء و الأمكنة بشكل يجعل القارئ يتبنين في الفضاء بشكل يجعله عنصرا مضافا للنص، تلك هي جسارة نص الشحاذ الذي بين أيدينا إنه يشاركنا عبر تلك اللغة الواصفة أن نكون شحاذين بشكل ما ،شحاذين على المعنى و طلب الدلالة ،فالشحاذة هنا وفق لعبة الترميز لا تقف عند شكل معين بل تتعاظم لتبلغ إعادة إنتاج جديدة نُباشرها نحن القراء لأننا ننتمي تاريخيا إلى مجتمع الشحاذة بالمفهوم السياسي الذي قصد إليه بيار زيما حين قال أن النص مركب سوسيو -ثقافي .
هذا الشحاذ التي يتعرض كل يوم لأشكال المصادرة و الرقابة السياسية الخفية و الجلية :”هيه أيها الشحاذ احذر فقط يأكل الكلب ساقك الأخرى ” لأن رجله الأولى أكلتها السنين العجاف سنين الحرمان ،سنين السلطة الفاسدة ،التي لا تتقن غير الحروب ،والمعارك الخاسرة ،إنها حروب بنيوية، منذ نشوؤها الأول،وهي تأكل الأقدام باسم الوطن والله لتبقي دلالة العلاقة الأرضية مفقودة ،لتبقي علاقتنا التاريخية بالأرض و الدنيا منعدمة، لا تبقي غير النظرة إلى السماء و التاريخ من تحكمنا ،تلك المخيلة المشبعة بالانتصار في الماضي و المهزومة الآن؛ هي من تحكم مسارنا أو سيرنا بعكازتين ،إنه سير أعرج ينبأ عن فشلنا التاريخي و الرسمي في بناء علاقة جيدة مع الإنسان و الله و الوطن ،السير بعكازتين هو ما نحن عليه الآن ،من خراب و دمار متعدد الأبعاد و الدلالات و الأطياف و الأشباح ،سير باتجاه عالم قذر و فاسد و بائس ” وصل إلى أطراف المدينة حيث الأطلال الخربة التي تؤويه بمحاذاة مجمع النفايات .”
من هنا تأتي عبقرية هذا النص من الفتحة إلى القفلة تتنامي سردية السواد بشكل رائع ومتيمز تعيد علينا تاريخ تلك السردية التي ما تزال تقيم بيننا، و فيما يبدو أنها ستظل لأنها شعور داخلي وعميق ،يقيم هنا داخلنا و يخرج في شكل رموز نصية طافحة بالعبقرية .


