النص للكاتب الميلودي الوريدي
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
النص القصير يعتمد على التكثيف الدلالي. ومن أساليب التكثيف الدلالي استعمال أيقونات رمزية تجعل القارئ يدخل دائرة الاستفهام محاولاً إيجاد إجابات تُلبي طموحه وذائقته في فهم النص.
العنوان؛ تبادل حراري مركب ثنائي من لفظتين موصوف وصفة الموصوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا فيكون المعنى:( هذا تبادل حراري). و مع ملاحظة بداية القصة يمكن القول أنَّ العنوان هو وصف لعملية تجريها النار . والتبادل الحراري ظاهرة فيزياوية بين الأجسام المتلامسة إذ تنتقل الحرارة من الجسم الأعلى حرارة إلى الأقل حرارة حتى تتساوى الحرارة بينهما. يبدأ النص باسم الإشارة (تلك) التي تُحيل على البعيد كما أنها تستعمل للإشارة إلى الحسي وغير الحسي وهنا في هذه القصة ظاهرها تشير إلى نار حسية إلّا أن حقيقة هذه النار هي نار الفتنة غير المحسوسة بالحواس ، أراد المبدع هنا أن يُربك المتلقي ويجعله يتمسك بالحس في بداية القصة . (تلك) تحيل على متأخر وهو النار لكن ما موضع الإحالة في (هم ). وهو هنا ضمير بحاجة لمن يتكأ ويحيل عليه وهذا ال(هم)هو مرجع متصيد خارج النص كما يسميه تمام حسان فالإحالة هنا خارجية والرحلة مع هذا النص بدأت تتعمق ببطء ، وما يحيل على المرجع خارج النص قوله هم،ونفخوا ،واستوقدوا ، وأحسوا، وجذورهم ، استفتوا ،علماؤهم ، وهنا يوجد مرجع آخر خارج النص هو علماؤهم ترجع إليه (أفتوهم) هذه الإحالات تجعل النص مترابطاً مسبوكاً ومحبوكاً بحسب تعبير النصيين . وأما الإحالات الاُخرى فهي إحالات داخلية ، وترجع الإحالات إلى النار وهي الإحالة المركزية وإلى الأشجار مما يعطي النص تماسكاً نحوياً أما التماسك الدلالي أو الحبك فالنص إنْ أُخذ على ظاهره دون تأويل سنقع بإشكالات دلالية لذا؛ نلجأ للتأويل إذ نتجاوز الظاهر لأجل الوصول إلى الحبك الدلالي. فالنار هنا نار الفتنة وهناك مجموعة متسلطة خارج النص هي من أنشأ بداياتها إذ الحطب هو بداية النار أو أحد شروط النار وجود المادة وهنا إنْ كانت النار نار الفتنة فالحطب هو ذاك الإنسان أو تلك الألاعيب والحوادث التي تسبب الفتنة وهنا يمكن فهم النص على مستويين : المستوى الأول : إن الحطب هو الإنسان إذ هو حطب الفتنة وعندما يقول المبدع إن الحطب “من خشب وجذور أشجار حسبوها غير ذات أقلام..ولا ثمار ” فهنا يكون من اختار الإنسان ليكون مصدر الفتنة باعتقاده أن هذا الإنسان سيكون عبداً مطيعاً له فالأقلام والثمار التي يستبعدها اعتقادهم تمثل الفكر والحياة فكل ظنهم أن مصدر الفتنة سيكون وفيّاً لهم إلّا أن الواقع يقول” من سلَّ سيف البغي قُتل به” ومن يزرع الشرَّ يحصده فهذا الإنسان الذي جعلوه مصدراً لهم قد تمرَّد عليهم في آخر المطاف . المستوى الثاني : أن يكون الحطب هو الأحداث والألاعيب التي تسبب الفتنة داخل المجتمعات فكانوا يظنون أن هذه الأحداث التي يخلقونها في الدول ستجعلهم في حماية وفي منأى عن نيرانها ولا يعلمون ” لو بغى جبلٌ على جبلٍ لتدكدك” وأنهم سيتجرعون من نفس كأس الفتنة التي يصدرونها للبلاد . أما قوله ” كلما نفخوا فيها واستوقدوا…أعرش لهيبها حبًّا, وعنبًا ,وقصبًا ,وزيتونًا, ونخلاً…وسال نسغها حبرا وهذا النص مشفَّر بلاغياً فهل يعرش اللهيب حُبّاً وعنباً وقصباً وزيتوناً ونخلاً كلها استعارات جاء بها المبدع للاشارة إلى ثيمات رمزية تدلُّ على مجموعة من الدول التي جرت فيها نار الفتنة فالحب والعنب والزيتون إشارة إلى بلاد الشام والقصب والنخل إشارة إلى بلاد الرافدين فسواء كان حطب الفتنة الإنسان أو الأحداث تشير هذه التيمات إلى تلك الدول.
أما خاتمة القصة فقد جاءت على شكل حركة ردة فعل من قبل المرجع المتصيد خارج النص الذي ستتضح معالمه قريبا إذ يقول المبدع”ولما أحسوا بلهيبها يصل إلى جذورهم المصونة ..استفتوا علماءهم ” فالمرجع المتصيد الذي تسبب بالفتنة وأشعل فتيلها أدرك سوء تخطيطه ولاحظ أن لهيب الفتنة قد وصل إلى جذورهم المصونة وهنا تتضح معالم هذا المرجع المتصيد إذ هو يمتلك جذوراً مصونة ويستفتي العلماء عندما يبحث عن مخرج لأزمته وهنا تأتي القفلة بحل صادم إذ بعد أن سرد المبدع الأحداث وأوصل الأمر إلى العلماء لأجل إيجاد الحل يأتي الحل من العلماء بمراجعة “بريفوست” بريفوست هو عالم جيلوجي ولغوي وسياسي فرنسي أو بريفوست هي مدينة في كندا … في الحالتين القفلة تصفع المرجع المتصيد ظاهريا وتقول له ارجع للغرب الذي علمك . وأما النسق الثقافي المضمر في النص : فبعد أن اتضح الظاهر من النص اذ لايمكن الوصول للمضمر إلا بعد فهم النص . والنسق الثقافي الأول: فالمضمر الذي يعمل عليه المبدع وحاول أن يسوقه للمتلقي بطريقة غير مباشرة هو نسق السلطة والنفوذ الذي يتحكم بالفتنة ويديرها أينما شاء فأصل أفكار الفتنة تنبع من السلطة والخوف على ضياع السلطة وذهابها ولا يرتدع السلطوي إلا عندما تصل النار إلى قدميه ويستشعر خطرها . النسق الثقافي الثاني: وقد استطاع النص أن يبرز نسقاً ثقافياً مضمراً وهو نسق دور رجال الدين ووعيهم لأصل المشكلة فبقولهم استفتوا بريفوست ظاهره خلاف موقف رجل الدين الذي يجب أن يفتي للأمة إلا أنّه عندما اُستفتي من قبل السلطة رفض إجابتهم وأرجعهم إلى أصلهم الغربي لوعيه بدورهم تجاه الأمة وتكليفهم في ردع السلطة وهو بهذا يرسل رسالة مفادها أن هؤلاء هم العلماء الذين يحمون الشريعة لا غيرهم ممن تقمص هذا الدور.
وفي الختام أتمنى ان أكون قد وفقت ولم أبخس النص شيئا والله أسأل أن يوفق الكاتب المبدع أخي الميلودي الوريدي للمزيد من التألق والإبداع..