للكاتب أحمد طرشان

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

حصانة
استوردوا ترابا طيبا؛ تمرغ فيه حمار السلطان.

القراءة

عندما تغيب الحرية، و حقوق الإنسان، فليعلم الجميع أن الطغيان قد فُتِح بابه،و ليس من السهل أن يوصد، لأن ذلك سيكلفنا المزيد من الدماء الطاهرة التي تفجّر نبعها من الزمن البعيد، والتي ستجعل شجرة الحرية تنبت من جديد.
ومن مظاهر هذا الطغيان في مجتمعاتنا العربية أكل أموال الأمة بالباطل، إلى أن زحف إليها التجويع و الفقر المدقع و تركيع الشعب بأكمله.
المسؤول الكبير الذي بيده زمام الأمور يستورد من خارج بلاده،ما الشعب هو في أمس الحاجة إليه،لكنه يستعمله لمصالحة الشخصية التي لا تعود الا بالنفع الخاص له و للمقربين منه و الحاشية المخلصة له إلى النخاع،و لا يستخدمونها إلا لسفاسف أمورهم الخاصة و شهواتهم الجامحة وربما حتى لبعض الأمور من الخجل أن نذكرها.
وكمثال على ذلك، ما أشارت إليه الومضة بتمرغ حمار الحاكم أو السلطان في الخيرات التي تستورد خصيصا لمصالح العباد و البلاد.
الشعوب العربية تعاني ليس لقلة أموال أو خيرات أوطانها،بل لسوء توزيعها مما جعل العدل ينقرض و حتى القليل الذي يصل الشعوب يتم نهبه و الانقضاض عليه بشتى الطرق و الوسائل المشروعة و غير مشروعة،و صرفها و تبذيرها في الأمور التافهة لتزيد تلك الشعوب فقرا و اذلالا ،واذا حاولت الاعتراض على خبث هذه السياسة يتم قمعها و إرسالها إلى القبور.
و قد أحسن صاحب الومضة التطرق لهذا الموضوع الخطير بكثير من الفنية الجميلة و الأدبية الراقية،من خلال حسن استعمال كلمات أصابت كبد المعنى و عمقه، بتوظيف تراكيب لغوية متراصة بعناية و محكمة البناء بحث تجعلنا نتخيل القصة التي أراد صاحب القصة ايصالها إلى ذهن القارئ و تخيلها، وحتى تخيل نهايات أخرى حسب تأويل القارئ.
التكثيف موفق جدا بحيث لا يمكننا حذف كلمة واحدة من الومضة،لأن المعنى سيختل و يرتبك،الكلمات تم اختيارها بعناية و تتسم بالوضوح و البساطة و العمق في آن واحد .
المفارقة كانت قوية و واضحة بالإشارة و التلميح و بعيدة كل البُعد عن المباشرة التي تضعف الومضة و تقلل من قوتها،و هذا ما جعلها تحتوي في أخرها تلك الدهشة الرقيقة التي تداعب مشاعر السامع أو القارئ مثيرة فيه خليط من عواطف مختلفة، فهل كان القارئ ينتظر أن يتمرغ حمار السلطان في التراب الطيب الذي تم استراده؟ هذا ما زاد في دهشة النص اضافة إلى حسن صياغة تلك الصورة البلاغية للوصول الى المعنى الذي يتم إسقاطه على ما يحدث في واقعنا المُر من ظلم و استبداد.
العنوان يوحي بالحصانة التي يتمتع بها أصحاب المسؤولية،يفعلون ما يريدون و القانون في صفحهم لحميتهم.
الومضة في مجملها ناجحة و موفقة جدا في المعنى و المبنى، و في ابلاغنا بالرسالة التي أراد صاحبها أن يوصلها للقارئ،و تمكنت من اختزال أزمة كبرى تتخبط فها معظم الدول العربية،و هي تدعو إلى ضرورة انتباه و وعي الشعب لكل ما يحاك له في الخفاء و ضده،و ترك له حرية أخذ القرار الذي يراه مفيدا للتغيّر،و فيها دعوة إلى اعادة التفكير و اعادة النظر من جديد في المستقبل.
في الأخير هناك لفة جديرة بالتعليق عليها وهي استعمال كلمة (حمار) و كل ما فيها من مدلولات ايحائية،و تتمثل في انخفاض قيمة الإنسان عند هؤلاء إلى أقل من مستوى حمار السلطان،هذا الحيوان الذي نعيب و نشتم به بعض من نكره من البشر، كل هذا زاد و يزيد في احتقار و اذلال الشعب.