القصة للكاتب صالح هشام
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
الذكريات حياة، فلا تدعها تنساب من حياتك. الذكريات هي العمر الباقي للعشاق والمحرومين. جبران خليل جبران
لعل مما علق من بعض ذكريات الكاتب بطل قصة ( قصة كويدرة المتمرد ) ، وهي قصة نقش بطلها بعض أطوار حياته في خلد الكاتب الذي لازال يلمسها، ويعانقها بشوق / إنه كويدرة: فهو مني أقرب، بلحمه وشحمه، أكاد أشم أنفاسه تفوح منه رائحة الكحول الحارق .
《كويدرة 》لقد شاع صيته في المدينة لدى الكبار والصغار٠ فمن أين اشتقت كلمة : كويدرة ؟
بالرجوع إلى معاجم اللغة العربية نجد أن كلمة كويدرة مشتقة من فعل كدر بفتح وكسر الدال. فنجد لا على سبيل الحصر :
كدر يكدر كدرا، انكدر، مكدور، كادر وتصغيره: كويدرة بزيادة تاء التأنيث مثل حمزة ومعاوية. ومن معانيها نجد: كدر فلان : فقد صوابه بضم الدال، كدر فلان : بالكسر، عاش في غم وحزن وكآبة وقلق، بدا عليه ماينم عن انشغال وعدم الارتياح، كدر عيشه : صعب واشتدت وطاته ٠٠٠شاق ومضن٠ ( واذا النجوم انكدرت ٢ ) التكوير .حصل انحدار في ضوابطها وعروض واختلال في حركاتها وتغير في نظامها. قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
يا طير كيد العيش لو تدري٠٠٠٠ في صفوه والصفو في الكدر٠
وقال الثعالبي:
فماء عيشي كدر٠٠٠ ونجم حالي منكدر
فالشاعر هنا لم يكن مرتاحا، يعيش في كآبة وحزن وقلق لعدم صفاء البيئة التي يعيش فيها. وانطلاقا من التعاريف الآنفة الذكر نجدها تحيلنا على مواصفات قد تكون مفتاحا يمكننا من سبر أغوار شخصية بطل هذه القصة : (كويدرة المتمرد)٠
ان شخصية كويدرة صارت رمزا لمعظم من أصبح عيشه مضنيا، منغصا، عيشه هم وغبن، لايفتر عنه من قسوته إلا جرعات كحولية حارقة، تذكي نارا مشتعلة بين جوانحه. فينك العيش والحرمان من نشأته جعل من كويدرة شخصا متمردا، سليط اللسان، لا يسلم من هجوه لا كبير ولا صغير. يرى غيره يعيش في سعادة ونعيم، وهو يشقى في جحيم .لا أحد يكثرت لحاله، وكأنه ولد منبوذا فينفجر في سخرية وغضب من مجتمعه متسائلا : كيف لمجتمع يعانق اللصوص بالأحضان، ويركل الشرفاء على المؤخرات ؟
وكأنه حطيئة زمانه. لا يراعي في هجوه أحدا علا شأنه أو انحط٠
يضع سبابته العريضة على أعيننا في قهقهة وسخرية، ونحن صغار:
– ياسلالة إبليس، وجوه نحس ونؤكد/ كلكم ضعفاء جبناء/ لاتفيدون في شيء٠
مدمن على كحول بتسعين درجة، يشرب جرعة أوجرعتين، فيصبح كأنه حصان جامح مجنح. تحمر عيناه وكان الشرر يتطاير منهما، يعيش ابهامه غيضا وحنقا على أولئك الذين يشربون الخمر الاصفر،ويدخنون السيجارة الشقراء. مالك وشانهم ياكويدرة ؟ يمد يده إلى ( قبوشته : قنينة كحول ) يشرب جرعة ، فيرد بسخرية وقهقهة :
الويسكي خمر اللصوص/ فيه من دم الحرافيش ملوحة/ فيه من جيوب المقهورين، رائحة تزكم الأنوف/ بطون متخمة بعجين البسطاء / كحولي بسيط لا عجين فيه٠
ضبط في حالة تلبس يشرب خمره المفضل، أعد له محضر في مخفر الشرطة بتهمة شرب خمر غير مرخص به ثم أحيل على القضاء ليقول كلمته في تهمة وزنها لا يساوي مثقال ذرة إذا ما قورن بما يقترفه ذوو الخمر الأصفر والسيجارة الشقراء.
انتقل أمام القاضي منحني الراس،
— مااسمك ؟ ماسنك ؟ مهنتك ؟
في حياء شيطاني يتجاهل سؤال الرئيس:
— يارجل ألم تسمع سؤالي؟ أم أنك تتعمد عرقلة سير العدالة؟
يمارس لعبة الكلام .امتناع عن سؤال الرئيس إقصاء لممثل العدالة . يرى كويدرة – أنه ممثل القمع وظلال الهيبة أمام العدالة ؟؟؟
— أتقصدني أنا يا سيدي؟ بابتسامة متهكم:
— ومن غيرك ؟ فما أمامي إلا انت والجدار!
— أنا يا سيدي؟ أنا لست رجلا، لو كنته بالفعل لما وجدتني هنا أمامك، في هذه القاعة الكئيبة يحاكم فيها خمرك الأشقر ذو العكازة والطربوش الأحمر، لعمري إنه لا يساوي حبة بصل٠
تنفجر القاعة بقهقهات وضحكات إثر سماع كلمات كويدرة، التي تنبئ عن إفحام الرئيس الذي بدأ على وجهه أثر الغضب ليصرخ في الحضور آمرا بالصمت أو يأذن بتأجيل الجلسة. يعود الهدوء من جديد . أجب عن سؤال الرئيس يا رجل!
— اسمي كويدرة ياسيدي، نبتة برية ترعرعت في بيئة فاسدة….أنا لص يا سيدي، أسرق دريهمات من جيوب الأطفال، أكري لهم دراجاتي بنصف درهم لكل ساعة٠ أليست هذه سرقة مشروعة يا سيدي؟ أليست اشرف من امتصاص دم القراء كالبعوض بالدجل السياسي ؟
يتافف القاضي، فتثير مراوغات كويدرة و هجه وتوثره، يضغط على صدغيه ويعلن على مضض رفع الجلسة للمداولة.
أية مداولة يقصد؟ مع نفسه أم مع أعضاء الجلسة؟ وما ذا سيكون منطوق الحكم ؟ أيقسو في حكمه على سكير عربيد كشف لسلطة وضعها المزري أمام ذاتها عبر مرايا أضعف رعاياها تهمته خمر ببعض سنتيمات٠أيحكم على شخص استخف بالجلسة أمام حضور غفير؟ أم يقاضي مجتمعا أهمل مثل هذاالنموذج وتركه الضياع؟ ليحكم على مجتمع لم يهيء لمثل هذا العربيد مراكز تكوين مهنية وإنقاذهم من الانحلال والإدمان٠
— اية طينة هذا الشخص الذي يترافع ويدافع عن نفسه باستماتة مقدما أجوبة مفعمة وكأنه خبر التقاضي منذ أمد، مقدما أجوبة عن أسئلة قد تفيد في تبرئته أو تخفيف عقوبته٠
كويدرة، شخص يتكلم بلغة العقلاء، رغم أنه لم يسبق له أن تعلم كما هو مثبت في محضر الشرطة ..
كويدرة، هذا السكير العربيد أصبح محبوبا، يخضى بعطف كل من حوله، حتى من الأولاد الصغار الذين يدعونه حكيما فيلسوفا٠ كان يحلو لهم مشاكسته بعد خروجهم من المدرسة المتواجدة قرب مسكنه، يعرجون عليه ليخفف عنهم بعضا من ضغوط الفصل الدراسي بقهقهاته وأحاديثه التي لا تخلو أحيانا من بعض الكلمات التي تخدش الوقار آنذاك. نستفزه بأسئلة راغبين في لسعات لسانه :
— ترى ياعم كويدرة يافيلسوف،من نكون نحن ؟ يأخذ كل وقته ، يتزود بجرعتين من قبوشته، يتلمظ هذا المشروب الذي يقطع الأمعاء، فيجيب في قهقهة ساخرة :
— أنتم زهور برية لم تتفتح بعد، تحترق في تنور القهر بلا دخان / أنتم مشروع قمل مصاص / سيجفف من الماء والدماء عروق جياع هذا الوطن.
أجوبة متشائمة، تنبيء عن مستقبل مظلم، لايرتقب تحسن الأوضاع الاجتماعية والكرامة الإنسانية على ماهي عليه تلك اللحظة . — ومن تكون انت ان لم تكن فيلسوفا أو ملكا في هذه الحياة ؟
يمد يده لقبوشته، يقبلها قبلتن فينفجر مقهقها في سخرية وكبرياء :
— أنا قطعة قماش شفاف تكشف النقاب عن عورة شهرزاد وتشعل نار شهريار/أضيء نفوس الرعاديد أمثالكم / أحارب طواحين اللصوص / الحياة يا أولاد بحار معارف بلا شطآن، متعددة المداخل والمخارج ٠ فما قيمة مدارس تفصل المعرفة على مقاسات تراعي مصالح شخصية؟
وذات مساء كثر الهرج والمرج أمام منزل كويدرة، يتساءل القاصدون من بعيد: ماذا يجري هناك ؟ مات كويدرة ! كويدرة رحمه الله ! وجد ساقطا وقد زهقت روحه ! انا لله وانا اليه راجعون. بهذه الكلمات أسدل الستار عن قصة كويدرة المتمرد الذي تكسر مركبه وتبخرت أحلامه٠
قصة شخص رسخت في ذهن الكاتب، بسطها بكل حنكة ودربة وعفوية دون تكلف لغوي عبر عبارات جاءت كسيل جارف تحمل دلالات عميقة، عرت على تراكمات فترة اقبرت على مر السنين، طمست معالم ترد اجتماعية٠ فقد سلك الكاتب الأسلوب السهل الممتنع ، سرد مشوق ،تخللته حوارات زادت من حيوية النص إلى جانب الصور البلاغية، صور متعددة من استعارة وكناية وتشبيه ومجاز. كما نجد تلك المقابلات التي يقوم بها بطل القصة في مقارنة نفسه مع الآخر، مشروبه مع الاخر٠
