النص للكاتب عبد القادر صيد

رابط النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

عنوان حمل دلالة عميقة وقد تقاطعت ثلاث لغات في آن.. لغة ابن الخماس الخافتة وهو الشخص المسالم الذي كان يدافع بالتي هي أحسن حيث كان يرمي الكلاب بالحجارة حينا.. وبالتمر أحيانا حتى يأمن شرّها لأنه يدرك ما يتأجّج بداخلها..
ثم تُثير انتباهنا لغة صاحب الكلاب.. تلك اللغة المستفزة التي يريد صاحبُها أن يثير أعصاب ابن الخماس كي يمزق ثوب صبره الذي يبدو وكأنه يزعجه وهو الذي ظل يرقبه ويقفو أثره طيلة أربعين سنة ليزداد غضبا وهو يراه قد صار منافسا له في اقتناء الأملاك.. أي أنه صار في مثل مستواه ولا حجة له في مطاردته من جديد..
غير أنه ترك العنان لكلابه المدربة حتى تنوب عنه في استفزاز ابن الخماس وملاحقته أنّى مضى لتمتشق سيف اللغة الثالثة..اللغة الأقوى والأكثر ضوضاء تلك التي ميزت الكلاب ووضحت دورها في المشهد المثير..
لأن الشخص الانتهازي دائما لديه من يدعمه في الخلف ويشجعه في صمت.. لكن ذلك الانتهازي لم ينتبه إلى نقطة ثابتة وهي تغيير وجهة صاحب المصلحة نحو من يجد فيه حاجته.. وهو ما فعلته الكلاب التي غيرت وجهتها في لحظة جوع..
وهناك لغة رابعة ــ لم تدخل المنافسة لأنها كانت كالصوت الذي ينبعث من أعماق ابن الخماس ليزيده ثباتا أمام معترك الحياة ـــ وهي لغة الأخ التي كانت خافتة وصادقة لتبقى تناوش مسمعه وهو يشجعه ويُقوي عزيمته حتى لا يخاف الكلاب إذْ يبدو وكأنه يعرفها جيدا.. ويعرف نواياها.. ولكنه يريد من أخيه أن يكتشفها عن قرب بنفسه دون أي تدخل منه..
في حقيقة الأمر مثل هذه الصور نعيشها يوميا ونحن نرى الانتهازيين كالذباب المتنقل من هذا لذاك بحثا عن ضالته المنشودة..
ولقد أبدع الأديب في رسم المشهد بلغة متزنة.. وتسلسل منطقي.. مع اختيار ماتع للعتبة النصية تلك التي طهّمتها قفلةٌ مدهشة..
بوركت أستاذ عبد القادر صيد.. أحيانا نقرأ نصوصا تُرصف حروفها مثل الفسيفساء لتشكّل لنا تحفة فنية هيهات أن تخطئها ذائقة القارئ الحصيف وهو يتتبع تقاطع المشاهد، وتسلسلها وهي تتعلق ببعضها لتخرج مخيض العبرة بهدوء وتميز..

أضف تعليقاً