للكاتب صالح هشام
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
أولا؛ العتبة:
عندما نتصدى لكتابات الأستاذ هشام برؤية نقدية على استحياء إنما نهدف لإبراز العمق الذي يضمنه كتاباته، بالرغم من تشعب التيمة إلى ثيمات في غالب نصوصه، وبالرغم من الإسقاط الفكري المتعدد الذي تتميز به موضوعاته، لذلك عندما يطرح هذا الكاتب الجاد نصا جديدا للقراءة يستفز أقلام النقد التي على غرار جديته، وكلما قدمت في إنتاجه نقدا استقللته ورأيت من نفسي إجحافا لحق الحرف والحرفية، ولأن هذا النص – محرقة العمائم- يمتد مع جذور الفلكلور العربي أجمع، ومن زاوية الأسطورة والتخييل والربط بين المرئي واللامرئي، فرأيته حقا واجبا أن أقدم فيه هذه الأطروحة، جامعا فيها بين النقد الأدبي والنقد الاجتماعي سواء بسواء.
لدينا في مقدمة النص عتبة اعتيادية هي العنوان المتصدر (محرقة العمائم) وهو يرتبط بشكل مباشر مع تيمة النص بل جزء منها حرفا وفكرا، محملة بالانزياح من فعل الحرق الظاهر إلى ما هو أبعد، ومن صورة العمائم إلى رمزيتها، فحرق العمائم وهي زينة الرؤوس تعني نارا تأكل العقول الفكر، ثم تنطفئ ليعم الظلام المادي والمعنوي في هذه البيئات المعدمة المهمشة.
ثم لدينا عتبة استثنائية أخذها الكاتب بحرفيتها من أقوال الفيلسوف والمفكر الفرنسي (سارتر) ووضعها كتقدمة للمتن الطويل، وعلى القارئ أن يختزن هذه المقولة لسارتر في هامش عقله طوال عملية القراءة حتى يدرك ماهية الرابط بينها وبين النص، ليخلص بآخرةٍ أن مقولة سارتر متشظية فى التيمة الأساسية وهى أسطورة عشق أنثى من الجن لبشري، وفي التيمة الختامية وهي استغلال مضمر من كبير القوم لمصائب المستضعفين، لولا أن مقولة سارتر هذه هي أول ما يجب التشكيك فيه، فهو يوجب التشكيك في كل، وليس من حقه التوجيه والمصادرة على كل ما كتبه الرجال عن النساء، ولو كان منصفا لأوجب التشكيك فيما كتبته النساء عن الرجال بالمثل ولنفس السبب، أن كل منهما خصم وحكم، وأهم ما يسقط قول سارتر أن من الرجال حكم عدل، ومن النساء كذلك.
وإذا كان سارتر بمقولته يحاول إزاحة تهمة الغواية الأولى عن حواء فهي مزاحة بالفعل في قوله تعالى من سورة طه (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) وإذا كان يزيحها بوجه العموم فهي كذلك مزاحة بالعقل السوي، ففعل الغواية مشترك لا يتحمل تبعته جنس واحد، فهذا يوسف الصديق يرد في حقه (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) وبناء عليه فكل من أراد العصمة بحزم عصمه ربه سواء كان رجلا أو امرأة.
ثانيا؛ أسلوبية السرد لدى صالح هشام
بخلاف السرد العنقودي الذي يتسم به أدب المغرب العربي.. ينتهج الكاتب أسلوب الفقرات المنفصلة المتصلة، كل فقرة تشبه قصة قصيرة جدا تنتج عن سابقتها وتفرز تاليتها، وأقول تشبه الققج لأنه يحرص على تكثيف الفقرة بالاستغناء عن الروابط الزائدة من حروف عطف وتوكيد واستدراك ونفي قدر المستطاع، فيزيد بذلك من قوة المتن وصلابته، ويجفف منابع الترهل والتكرار ليقدم محاضرة لغوية جنبا إلى جنب مع التيمة، ومع هذه القوة يضمن بعض المجازات والصور الشعرية العميقة ليدعم جانب التوصيف مثل (فينطق الخواء، تلتهم النيران العمائم، يقضم من برنوس الليل الأسود، ستذبل زهرته، فتسيل شعابها بأضواء القناديل الباهتة…إلخ)
بالإضافة إلى ذلك يظهر في بعض مراحل النص لسانا مغربيا دارجا من كلام العامة يعرض ببساطة تطور وتحور اللغة العربية كما في كل أصقاع الوطن الكبير مثل (آ عيشة، آ عويشة) وهاهنا اختزال لحرف النداء من (يا) إلى (آ) وتحريف للاسم العربي (عائشة) بتحريك الهمز المكسور نحو الياء (عيشة) وكل ذلك من قبيل تسهيل ما يثقل لفظه.
يلاحظ كذلك في أسلوبية كاتبنا ميله للتزمين في المضارع مع ترصيص الجمل المتلاحق والسريع بما يخدم الحركية والوصف والتصوير مع فصل الجمل فقط بالفارزة لتفعيل دور عدسة القارئ التي يجب عليها التقاط المشاهد المصورة بالكلمات في كل جملة، وهذه المشهدية سوف تغني القارئ عن البحث في معاني الكلمات بوجه عام حتى إذا استغلق عليه بعض المفردات فيستطيع إدراك معناها الجزئي من المشهد الكلي.
فضلا عن ذلك ينوع كاتبنا في الاسترسال بالسرد، بين القص عن الغائب بعين السارد، وبين القص بضمير المتكلم الحاضر، وكذلك بنمط الحوار المزدوج (دايالوج) أو الحوار الجماعي، فيفسح للقارئ مجال التنوع والانتقال والارسال والاستقبال بما يضمن متعة اضافية للسرد.
ضف إلى ما تقدم عناصر التشويق والفضول ولهث القارئ خلف السارد لملاحقة تصاعد الحدث من التمهيد إلى العقدة ثم إلى حلحلة الموقف مع التعقيب الختامي.
ثالثا؛ الأسطورة الواقعية
قد يكون غريبا أن نطلق على الأسطورة أنها واقعية، وتلك حالة خاصة من الماورائيات تنتشر في المجتمعات المسلمة بخاصة، وهى تلك التداخلات المستمرة بين العالم المرئي ونظيره الغير مرئي، وليس المقام مقام إثبات وجود هذا التعالق بين الإنس والجن من عدمه، فقد حسمت القضية سلفا بنصوص دامغة في الشريعة، والمقام هنا للتذكرة فقط، فلننظر إلى توصيف القرآن لأحد جوانب هذه العلاقة (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون..الأنعام) ودل ذلك على أن الوحى بينهما عملية تبادلية وليست من طرف الجن بالوسوسة فقط.
وقد ورد في شأن القرين كثير من الأدلة الدامغة من القرآن (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم.. وقال قرينه ربنا ما أطغيته، وقال قرينه هذا ما لدي عتيد) ثم قال عن نوع آخر من التداخلات (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)، ولا ننسى تسخير الله جيوش الجن للنبي سليمان، وبنايتهم له محاريب وتماثيل وجفان، ومنهم من عمل بين يديه بالبناء والغوص، وتسخيرهم يستوجب تعاملا مباشرا وماديا.
أما من السنة النبوية فلنقرأ حديث أبي هريرة عن الجن الذي كان يسرق تمر الصدقات وكيف كان يتحدث لأبي هريرة وجها لوجه حتى قبض عليه الصحابي غير مرة، مما دل على إمكانية التواصل والرؤية والاستماع بين العالمين في أضيق الحدود، ثم لنقرأ حديث الصحابي (يعلى بن مرة) الذي كان رديف النبي في سفرة فاعترضتهم امرأة تشتكي حال ابنها الممسوس إلى النبي وكيف عالجه صلى الله عليه وسلم، فالتعالق بين العالمين مجزوم به نقلا وعقلا.
وهذه الحكايات التى تفترش مساحة من أذهان الناس ليست دخاناً بلا نار، يزكي نارها الجهل بالشريعة والتقصير في جنب الله، وسوف نجد في كل وسط اجتماعي ما يشابه هذه القصص لكن تجليها الأكبر يكون في الأوساط التي تتسم بظلام الجهل وعقم الفكر، لذلك هي أساطير عند الذين لا يصدقون بها ويرفضون وقوعها حتى لو كانوا في درجات علمية عليا، وهي واقع مصدق به عند الذين عايشوها عن كثب وتأثروا بها بشكل مباشر أو غير مباشر حتى لو كانوا أميين.
ومثل هذه القصص تتناقلها الشعوب بمسميات مختلفة لكنها جميعا تصب في اتجاه واحد، والحقيقة أنها تشكل جزء من وجدان الطفولة أيضا، ويستخدمها الأهل لقمع أهواء الطفل وتقويم مشاغبته، فينشأ على الخوف من المجهول، ويظل هذا جانبا مظلما في وجدانه ويخشى الحديث فيه، ولو أن من هؤلاء القوم أولوا بقية من علم وخوف من الله لخافهم الجن أنفسهم.
رابعا. التبئير Focalization
في قصتنا هذه نرى بؤرة عامة يتقاسمها البطل والشخوص في طول النص وهي بؤرة الخوف، ذلك الشعور المسيطر على الجميع، فالبطل يعود ليلا في ظلام دامس وهو خائف، فيتحقق الذي يخافه وربما أكثر مما كان يظن، ثم يعود لبيته فترتد أمه مذعورة لهول ما رأت عليه، ثم تنخرط الزوجة في الخوف ذاته، وبعد قليل يعم الخوف كل الحاضرين، إلا واحدا وهو كبير القوم، واختار له كاتبنا القدير بؤرة أخرى تصدر عنها كلماته وتصرفاته، تلك هي بؤرة المنفعة الخاصة، وفي ذلك إسقاط رائع من مجتمع قروي إلى مجتمع الدولة، ومنه إلى المجتمع الدولي كله، يريد الكاتب أن يقول ضمن ما يقول؛ إن عصا الحكم التي يستخدمها الحاكم هي التخويف، والمحكومون في عماية تامة ويفعلون ما يؤمرون، أما الحاكم نفسه فيستغل خوفهم لتحصيل منافع خاصة تسمها الدناءة والاستحواذ على حق الغير.
الخوف من المجهول يذهب بحلم الحليم، وعلم العالم، ورزانة الفاهم، نخاف من مجهول الفقر فيفتعلون لنا الفقر، نخاف من مجهول الحرب فيخططون لإحداثها، نخاف من مجهول المرض فيهملون في صنع الدواء، نخاف من مجهول الذنوب فيرسلون علينا جماعات التكفير، نخاف من مجهول التهميش فيعتنقون مبدأ الوساطة والرشوة والعمالة. هذا التلاعب بنفوس السواد الأعظم من الشعوب العربية هو ضمانة لبقاء سدة الحكم في أيدي ثلة المنتفعين إلى ما لا نهاية، وبيئة الجهل والفقر والمرض هي الحاضنة لتكاثر هذه الثلة وامتدادها عبر الزمان والمكان.