شعرت بكُحّة خفيفة في حلقي، فارتابني هاجس الجرثومة اللعينة.. رحت أتحسّس حرارة جسمي.. سعلت بحدّة مفتعلة كي أتأكدّ، أخذت نفسا عميقا، قبل أن أقوم بذلك التمرين الذي قرأت عنه عدة مرات للتأكد من السلامة.. لاشيء .. الحمد لله الحمد لله.
– ولكن ماذا لو…؟ فتلك الجرثومة الخبيثة عصيّة خفية.
بدا سلوكي غريبا .. أمي نفسها لم تخف اندهاشها لما رأته مني على غير العادة : “واش بك يا طْفَلْ”
تلك عادة أميّ ، منذ كنت طفلا وهي تناديني ( يا طْفَلْ) نحن لا نكبر أبدا في عيون أمهاتنا.. منذ كنت طفلا و أنا أراها تداوي نفسها بنفسها.. أو تداوينا بطريقتها العشبية الخاصة، تخرج إلى حديقة البيت فتأتي بما يلزمها ، وإلاّ، تقصد الدكان الشعبي الوحيد في الحيّ، لاقتناء الأعشاب اللازمة، لتتفرغ بعض الوقت لتحضير خلطتها العجيبة.
وإذْ ذاك، تداوم على شربها أو وضعها على ملمس الجرح أو أيّا كان العضو الذي به أذى أو ألم، فله عندها خلطته المناسبة، لا تمضي إلاّ سويعات أو أيام قليلة حتى تسترجع بحمد الله عافيتها، ولطالما تعجبت من ذلك .. حين أخبرتها عن هذه الخبثية الكورونا لم تفزع مثلما فزعت أنا .. لم تولِ بالاً لمقدّمة الأخبار المروّجة للرعب صباحا مساءً، خاطبتني بابتسامتها المعهودة :” يا طفَلْ واش هذا المقْرونة اللّي راك خايف منها؟ هاك اشرب ورجّع لي خبر … ”
لم تمض ليلة واحدة على تناولي لخلطتها العسلية حتّى ذهبت الكحة، بينما ظل هاجس الجرثومة على شريط الأخبار المكرّر يقض مضجعي ..
طوبى لأمي التي لا تخاف الكورونا، كعادتها، مستلقية على الكنبة راضية مرضية، سارحة بذهنها في ملكوت تسبيحها، لا يشغل بالها سوى صوت المؤذن بين الصلاة والصلاة.. ولا شيء بات يعكّر صفوها سوى ضجيج التلفاز الذي لا يهدأ، وحديثنا اليومي عن الكورونا اللّعينة.
- كورونينية
- التعليقات

