“خلف تلك السحابة أحمل نعشي المبلل بالأنين وعويل عينيك.. خلف انشراح ثغرك دفنت قلبي و سلخت أفراحي مني.. آه من وجعك المنغرز فيّ.. آه و آه..”
يرتعش القلم بين أصابعك.. يضطرب..قطرات العبرات المنفجرة قدامه أعلمته بحقل أحزان مزروعة في ما تبقى من البياض..
تتشنج يدك فجأة..تعلن لك أن الكتابة مخفر تعذيب.. ترفعها..تدلكها بيدك اليمنى.. تفرقع فقراتها.. تمدها لتضم فنجان القهوة الساخن لعل الدفء يعيد إليها حيويتها..
القهوة السوداء تبلل شفتيك الصغيرتين و تنسكب بمهل إلى جوفك الخاوي.. تنهض من كرسيك الخشبي القديم. آخر ما تبقى لك من ذكرى الطفولة و عبق الجدّ الحنون.. تقصد النافذة المغلقة..ترسل نظرك المتعب يحوم هائما كالشريد بين الحقول المبللة و الغيم النازف..
المساء الراحل يلملم حكاياته و يبتعد متمسحا بالهياكل البشرية المنتشرة في الممرات و تحت سقوف الأكواخ الطوبية ..
تتابع مسيرة طفلة التحفت الماء و هي تسوق نعجتين و كلبا.. شعرها المحمر القصير يلتصق بوجهها كالطفل الرضيع. خطواتها السريعة تتعثر بالأرضية الموحلة.. تتمسك بالحائط.. تمسح عينيها الواسعتين.. تشير لنعجتيها بمتابعة المسير.. يقترب منها كلبها مستفهما و ينطلق نابحا يسابق النعجتين نحو كهل قائم غير بعيد تحت مظلة سوداء كبيرة..
يدثرها تحت جناحيه.. يجفف شعرها بكفيه الكبيرين.. يطبع على جبهتها قبلة.. تبتسم له.. تمد يدها اليسرى إلى جيب جلابيتها.. تسحب شيئا ما .. تريه له.. يفرك شعرها مقهقها و يمضيان..
تتسأل عن ماهية ما بقبضتها، عن سر قهقهات الكهل..
تقول و قد اختفى المشهد خلف الضباب الرمادي الكثيف العابر الآن:
– ترى ما ذاك الشيء المخبأ بين أناملك ؟
يعيدك السؤال لذاك الوحل العالق بوجهك و مقدمة شعرك.. لم تعبأ لطعمه و لا لبرودته.. الهلع المعربد في مستعمراته داخلك يفقدك الإحساس بكل الأذواق غير ذوق البحث عن النجاة..تنهض من سقوطك .. تلقي نظرة خاطفة للممر الطويل .. ذاك الوحش الأسطوري، آكل المسرات.. الخراب لباسه الأوحد.. سيارات محروقة، مباني مهدمة، حفر قنابل و دم.
قدماك الصغيرتان تنط بين الحطام.. و عيناك المبللتان بالماء المالح تبحثان عن ملجئ مفتوح.. يدك اليمنى تشد بشدة حزام محفظتك المعلقة بظهرك و العامرة بقنينات الماء..
تركض من شارع لشارع.. النار و دوي الانفجارات أصابوا بوصلتك بالجنون..
صوت أنثى متخفي يناديك.. تقف لاهثا.. تبحث عن مصدره..يتراء لك وجهها الأسود المغبر من خلف جرار مصاب.. تلوح لك.. تدعوك..
لا تتردد و تندفع نحوها مسرعا.. ترتمي في حضنها باكيا.. لا تصدق أنك عثرت أخيرا على أحد معارفك..
– ماذا تفعل خارجا في هذا الوقت المجنون؟
– ذهبت أجلب بعض الماء لأمي.. و تبكي .. و عندما عدت وجدت منزلنا مدمرا.. و تبكي.
– آسفة يا ولدي ..
– ماتت أمي و أخي الصغير. و تنفجر باكيا..لم أتمكن من إنقاذهما..الصواريخ توالى سقوطها على الحي..فهربت..ماتوا جميعا.. و تنتحب بمرارة..
تحتضنك، تمسح شعرك الملوث بالبارود و رائحة الموتى.. تطبع قبلة على جبهتك الموحلة و تواسيك:
– الله يرحمهم .. تعالى معي.
تمسكك من يدك و تمضي بك برجلها اليسرى العرجاء الدامية نحو عمارة قريبة..
تفتح باب الملجأ الأرضي.. يقابلها عساكر برشاشتهم المتفوزة و نظرات متعبة.
العيون المختبئة خلفهم تعاينك و أنت تبادلها الارتعاش.. يستقبلكما كهل ملتح بطاقية صوفية سوداء و لباس عسكري.. يسألها عن هويتك، فتخبره بتمدرسك عندها و بمصيبتك.. ينحني نحوك.. يسحب من جيب سترته قطعة شكولاطة و يهبها لك مبتسما:
– لست وحدك الآن يا ولدي كلنا أهلك. أنت الآن في أمان.
تمسك الشكولاطة و يدك تشدد قبضتها على يد معلمتك.. الأصوات تتماوج في مسمعك، بكاء رضع و صبية، أنين جرحى، و ضحكات خفيفة.
ينصرف الكهل نحو البوابة بينما تمضي بك معلمتك إلى سرير منضّد قريب..تنزع عن ظهرك محفظتك ..تقعدك على السرير السفلي و تنصرف نحو عجوز خفقت تنتحب و تنعي ابنها الشهيد.
تقتعد السرير.. تقضم قضمة من الشكولاطة و عيناك تجولان في هذا الملجأ الضيق العفن.. يستوقفك صبي أمامك يحدق فيك مبتسما.. يده اليمنى محشوة في جبيرة.. تبتسم له بدورك.. تقترب منك طفلة سوداء تسألك:
– أعطني قضمة من الشكولاطة،أنا جائعة.
نظرت إلى القطعة في يدك مليا ثم قدمتها لها..أمسكتها بفرح و ابتسمت و كأنك قدمت لها كنزا.. قالت:
– شكرا لك..غدا سأقتسم معك حقي..
و اندفعت راكضة ..غير أن انفجارا رهيبا ضرب مدخل الملجأ و قذفك أرضا و بعيدا عن الوعي..
فتحت عينك لتصطدم ،بعد أن زالت الغشاوة عنها ،بالخراب..الدم منتشر على الجذران و الأرض و الأسرة المقلوبة و الأجساد المبعثرة هنا وهناك تحت الأنقاض و الغبار المتطاير و الدخان..النار اشتعلت في المدخل و المرتبات و الأسرة ..
لم تكن تشعر بأي ألم سوى بصفير في أذنك و غثيان خفيف ..وجدت نفسك ملقا على ظهرك ما بين الأسرة التي لم تصب..نهضت مفزوعا و قد تملكتك نوبة من البكاء ..عاينت المكان لتقف على الفوضى التي عمت الملجأ..نساء مذهولات قعدن جامدات على الأرض مغبرات تلطخت فساتينهن بالدم ينتحبن و أخريات يطلبن النجدة، بينما الرجال و النساء السالمون و المصابون إصابات سطحية يسارعون لإطفاء الحريق الناشب في المدخل و ما جاوره من أسرة. و منهم من تكفل بإسعاف الجرحى .
تقدمت بين الأنقاض مترنحا باكيا باحثا عن معلمتك، غير أنك وجدتها محمولة من قبل مسعفين فاقدة الوعي ،الدم ينزف من رأسها و يديها المرتخيتين ..تابعت مشهد نقلها للخارج لتقف عينك مسمرة على الطفلة السوداء وقد وقعت عليها خزانة حديدية و الدم ينزف من فمها و أنفها ..لم تكن تتحرك ،يدها اليمنى ممدودة وقبضتها مضمومة ..اقترب منها المسعفون مهرولين..رفعوا عنها الخزانة وحملها أحدهم واتجه بها إلى الخارج في عجالة من أمره ..وما شد انتباهك قبضتها التي لم تنفتح..
الخارج كان يعج بالمطر و بأهل الحي و الإسعاف و دوي الانفجارات البعيدة ، الدخان و رائحة الحريق ، العويل ، الصياح و التكبير ..
لم تعرف ما تفعل.. وقفت مذهولا ترمق الهول المائج المصحوب بصفير أذنيك و بكائك.. أسرع نحوك شاب مبلل بالمطر و الدم..تفقدك بعناية ثم حملك في لمح البصر مسرعا نحو سيارة الحماية المدنية الواقفة غير بعيد وسط جمهرة من الناس.. أسلمك لمسعفة متوترة تكيل الشتائم للقتلة و المجرمين ..أجلستك على سرير بقرب الفتات السوداء المسجاة على سرير الإسعاف فاقدة الوعي كلية.. لا زلت لا تعرف لمَ تفقدت قبضتها بينما المسعفة تتفقد جسدك و نبضك.. كانت ترتخي ببطء حتى انفتحت لتكشف لك آثار الشكولاطة الدائبة بكفها..المسكينة لم تنعم بما قدمته لها..عاجلها الموت ليصهر كل الحياة في قبضتها..
وحتى الآن و قد شارفت الستين ترى طيفها و هول الكارثة..
- ما خبأته قبضتك
- التعليقات