ضاع ماجَنيته بكَدِّى وشَقَاءِ عُمرى … سيطر هذا الهاجس على تفكيره ؛ نسى خزنة أمواله الحديدية مفتوحة ؛ بابها مُوَارَب ؛ أدار سيارته العتيقة ؛ وَضَعَ رِجْلَهُ على دَوَّاسَة البَنْزِينِ وَانْطَلَقَ سَريعاً فى طريق العودة لمكتبه العقارى ؛ جَفّ حلقه ؛ تخشَّبَ لسانه ؛ أخذ برأسه دوار ونَشِبَ الصداع النصفى اللعين ؛ تقلصت معدته وغَثَتْ نَفْسُهُ ؛ أبطأ السرعة ؛ راح فى تفكير عميق ؛ تتابعت الأفكار تترى ؛ هل سيبلغ البوليس فى حالة أن وجد الخزنة فارغة ؟ ؛ حتماً ستكون هُناك مُعاينة لمكان حادث السرقة ؛ للمكتب والخزنة ؛ رفع بصمات ودَربَكة ؛ بالمكتب مُهندس شاب وسكرتيرة ؛ فضلاً عن الخادم عامل النظافة ؛ من يتهم ؟ ؛ لاجدوى ؛ لن يستطع إِثبات شيئاً ؛ حتى لو قامت المباحث الجنائية بتحرياتها وتوصلت للجانى الذى ستظهر عليه مظاهر الثراء يوماً ما سيأخذ ذلك من الوقت الكثير وفى النهاية لن يسترد ماله ؛ وغير ذلك ماذا سيقول فى محضر الشرطة ؛ بالخزنة مبلغ كبير ؛ سيفتح على نفسه أبواب الجحيم ؛ انتهى إلى قَنَاعة بألاّ يُبلغ البوليس ؛ يستعوض اللهَ في ماله المفقود .
زاغ بصره ووَجَبَ قَلْبُه ؛ هل سيصاب بأزمة قلبية ؛ اِستَبعَدَ ذلك بعقلانية فريدة ؛ راح ماجَناه بشَقَاءِ عُمره ؛ ماذا حدث ؟ ؛ أصبح على البلاطة ؟ ؛ مازال لديه عمله الذى يدر عليه مايكفى ليسد حاجته وحاجة أسرته ؛ بدأ يُطمئن روحه ؛ يهدىء من روع نفسه ؛ يهيىء نفسه لأسوأ الإحتمالات .
هدأت نفسُه قليلاً ؛ أخذ تفكيره منحىً جديداً ؛ طالما لاشىء يهم ويمكنه تحمل الفجيعة ؛ ماكان المانع أن يُوسع على عِيَالِه ؛ لولا أغدق عليهم بِلاَحِسَابٍ ؛ تراءت له زوجته التى لاتعلم شيئاً عمايحوزه من مال ؛ قنوعه ؛ لاتريد شيئاً ؛ كانت قد أبدت رغبتها أكثر من مرة أن يصطحبها لتستبدل خاتم الزواج الذى ضاق على إِصْبَعها بمَحْبِسٍ جديد ؛ وهو يتعلل باِنشِغاله خشية أن تطمع فى المزيد ؛ إبنه الوحيد وقد قارب على التخرج فى الجامعة يحلم بسيارة ولو مستعمله .
ركن سيارته ؛ صعد السلم للدور الأول حيث مكتبه ؛ دخل المكتب بهدوء وسكينه ؛ ألقى السلام ؛ راح يتأمل المُهندس الشاب الذى رد السلام وهو منكب على طاولة الرسم الهندسى ؛ سكرتيرته المُنهمكة فى تحرير العقود ونسخ المستندات على الكمبيوتر ؛ عرج على المطبخ الصغير ؛ تطلع إليه الخادم باستغراب ؛ عرض عليه أن يصنع له فنجالا إضافياً من القهوة ؛ وقد فرغ من فنجالِ المهندس ؛ هز رأسه بالنفى ؛ تراجع لمكتبه ؛ أغلق بابه خلفه بهدوء ؛ انجذبت عيناه للخزنة المثبتة بالجدار ؛ دنا منها ؛ مازال باب الخزنة على حاله ؛ تهالك على كرسيه ؛ تعلق قلبه بأمل النجاة من هذه المصيبة ؛ فتح باب الخزنة ؛ وجد كل شىء كما تركه ورتبه ؛ أغلق الخزنة ؛ أَحْكَمَ إِغلاَقها ؛ أراح ظهره على المقعد ؛ تنفس الصعداء وهو يغمغم بحمد الله ؛ جلس هنيهة ؛ عاد يتأكد من إِحكام غلق الخزنة ثُم قام ليرجعْ أَدْرَاجَه فى طريقه لبيته .
جلس على الفوتيه متهالكاً ؛ تناهى إلى سمعه حِوَارٌ خافتٌ حذر دائرٌ بين إبنه و زوجته ؛ تطلع إليهما يستفسر عما يشغلهما ؛ ترددت الزوجة قليلاً ثم تشجعت وقالت له أن إبنه فى حاجة لسيارته لحضور فرح صديق له ؛ رفع يده ضَجِرأً ؛ قالها قاطعة : لا .
سمير عَصَرْ المُحامى
