مذ رحلت أمها في حادث غريب، لم يعد أحد في المدينة يذكر أن البيت الذي كان يوما يضجُّ بحس فتاة جميلة أحبها أهل الحي رغم سذاجتها يسكنه أحد.
أشدُ على قبضتي وأضرب وجه الباب،وحينما لا يمنحني ذاك الحنق رؤية الدم بين أصابعي ، أعود خطوتين وأرفع رأسي وأقفز بكل ما أوتيت من قوة في صدره الخشبي حينها تطلق أمي صوتها من وراءه وهي لا تكف عن مناداتي بالبلهاء،
يدور صوت أمي في ذاكرتي:
– ما بك أيتها البلهاء اللعينة،ألا تكفيني خيبتي فيك حتى تقضي مضجعي في هذا البرد.
ينفتح مصرع الباب وتتساقط حبات الدم نازلة على وجهي ، أشعر بحرارة تعبر مساماتي وبوخز مؤلم يقرص جبهتي ،فأسقط على ركبتي وفي دمي يسري برد البلاط ، في الركن على السرير الخشبي تتكوم أمي وهي تبحث بحدقاتها عن قبقابها البلاستيكي ، تحمله من مقدمة رأسه وترسله في اتجاهي صائحة: أنت مصيبتي وعَاري ،ياليتك لم تخرجي من بطني .
أنزل رأسي فيمر قبقابها كما يمر ريح القطار ، أدخل رأسي بين ركبتي وأنا أبصرها قائمة متوفزة تحمل سوطاً تعودت على تسليطه على أمكنة الوجه كلها ،أضع ذراعي على وجهي وفي فمي رعب حقدها كي أتجنب لفح سوطها :
ـ لا…..لا يا أمي ، لن أعيدها… لن أعيدها ….
تستمر أمي في جلدي حتى تدور بها الأرض وتسقط لاهثة بجانبي فأبصر في عينيها سواداً وتبصر في عيني حقداً دفيناً، فتدفعني بعد أن تبلع أنفاسها بعقب قدمها لأجذ جسدي ملتصقاً على مصرع الباب. في لحظة التوجع نزلت من مجحري قطرة دم لتسقط على أصابعي الحافية، مسحتها براحة كفي ورحت أفتح عن ابتسامة بلهاء في وجهها الذي تلاشى فجأة بين ناظري ، أدور باحثة عنها جهة السرير فلا أجد سوى بقايا لحافاً قديماً ووسادة هجم عليها اللون الرمادي حينها أتذكر أنني وحيدة في هذا البيت حتى والدي لا أكاد أذكر سوى شيئاً فاتراً من وجهه، وهو يجالسني على ركبته, ويحدثني بصمت حزين ، أستلقي على سرير أمي و أرمي ساقيّ لأتمدد فاسمع أخر زغرودة أطلقتها جارتنا وهي تدخل على أمي مهنئة بالعريس الذي قدم لخطبتي ، تقف أمي وهي تعصّب رأسها بفنارتها الملونة ثم تسحبني من يدي إلى صدرها ، فتنهار في عمقي كتل الحزن ، ثم تأخذ مشطها العاجي وتبدأ لأول مرة في تسريح شعري ، تدور جارتنا على رأسي مرددة أهازيج الفرح وفي كل مرة تطلق عبارتها في اتجاه أمي التي تشدني من ذراعي وهي تعبر صفوف نساء الحي اللواتي وقفن يبصرن في وجهي وهن يطلقن أصواتهن بلا توقف:
ـ مبروك عليها، ربي يسخر…يويويويييييييييييييييييو
تهمس أمي في أذني ،وهي تزفني: لقد استجاب ربي لدعواتي ، ستتزوجين أخيراً ، وسيكون لك بيت،لهذا أريدك أن تكوني امرأة عاقلة وأن تتركي كل تلك التصرفات الصبيانية، أعرف أنك لست بلهاء لهذا أريدك أن تثلجي صدري وأن لا تخيبيني في ليلتك هاته و أوصيك حينما يدخل عليك زوجك أنظري إن هو مد لك يده أنخري واظهري له استرخاء وفتوراً, وإن قبض على شيء من بدنك أو جارحة من جوارحك فارفعي صوتك بنخير ساخن, وتنفسي وبرقي جماليق أجفانك فإن أوبح عليك فأكثر اللفظ واظهري غنجاً وحركة و أعطيه من تحتك شبقاً معادلاً لشبقه ثم خدي يده اليسرى فأدخلي حرفها بين إليتيك وضعي رأس أصبعه على بابك ثم تحفزي وتحركي ثم أعيدي النخر والشهيق وأظهري من الكلام المهيج وإذا أحسست بأنه مغموم فتلقيه من غلاله طيبة لا يغيب عنه بها جارحة من جسدك ثم اعتنقيه وألزميه و قبيليه و ادخلي يدك في كمه و أقبضي عليه و أعصريه وألويه وخذي يده وادخليها من كمك وضعيها على صدرك وبطنك فإن تراجع بادري الفراش واستلقى على ظهرك واكشفي بطنك وظهرك فإنه لا يملك نفسه عند ذلك ولا يهوى سوى مخالطتك وأعلمي يا بنية بأنه لازال لك وامقاً و لخلوتك عاشقاً وعليك بالماء فتنظفي به وبالغي في النظافة وتعهدي مواضع أنفه وعينيه فلا يشمن منك إلا طيباً ولا ترى عيناه إلا موتقاً فإذا أول عليك فأكثري من اللفظ المهيج و قولي بين إضعاف لفظك يا دائي …يا حياتي …يا دوائي…يا شفائي…..يا سروري……….يا حبيبي ….يا طبيبي…يا شهوتي…يا فرحتي…يا غاية رجائي.
انكمش وأنا أبصره يمد يده لجسدي فيجرح مني النهد فيصيبني التأوه فألازمه فيدور على وجهه ساكنا ثم يرفع عقيرته وهو يتصبب عرقا، بعدها يرفع يده وينزلها على وجهي ضاربا فأبصر يد أمي تنزل حديداً لتفجر من منخري دم الوجع فأتكوم في وجعي ، فيحاول جذبي إليه ، فأتراجع هاربة ، فيثور في وجهي كوحش ضار ٍ ، لكنني أتذكر وصايا أمي فأفتح له مصرعي الباب ليقف على ركبتيه متلذذا، يبصر في حدقاتي ويدير رأسه عني بعدما يشعر ببرد عقيم يجتاح ساقيه ، يرفع شمعة كانت تضيء غربتنا ويتجه ليدسها في حرفي فأدور جهة الركن وارفع قبقابي من تحت السرير وأشج بها رأسه فيصرخ فيه الدم متطايراً وتصرخ مني الصيحة الكبرى فتهرع أمي إلي وتهرع أمه إليه ،يتهجم وجهه وتصيبه نوبة جنون وهو يصرخ في وجهي
بلهاء…بلهاء…. مجنونة.
تنكس أمي رأسها وتجذبني من ذراعي وهي تصرخ في وجهي:
– بلهاء… بلهاء.
فأفيق وأنا على بلاط البرد عارية وأمي تجذبني من جذور شعري..
أفتح عينيي لأبصر ظلمة الغرفة والبرد قطار يجتاح أنفاق الجسد، أزحف في اتجاه السرير وحينما لا تسعفني ساقاي المبتورتين بالبرد أنكمش جاذبة ركبتي إلى صدري ، فأبصر أبي ملفوفاً في بياض على بياض وشعلة نار تأكل كفه ،يفتح ذراعيه وهو يدعوني إليه .. أمد أصابعي وأنا ارتجف فتلامس كفي حرارة كفه فأغيب في نور شعلته وهو يسحبني برفق لأرافقه بعيداً عن ظلمة المكان وبرد البيت.
بعد ثلاثة أيام تسربت رائحة جسد نتن، فشاع في الحي خبر موت البلهاء في بيتها من البرد.