أصدرتِ الرياحُ صوتًا يشبه مزمارا مشروخا ، استرخى الرجل العبِل القصير تحت غطائه ، مستجلبا ذكرى حميمية .. لم يستطع فعل شيء : فقد عزفت الصور والمخيلة والاستحضارات النفسية ، توهج قلبه باسمها كرره ..فتحت القطة الممدة عند رجليه فمها .. لم يرقْها النومُ على طرف السرير ..اقتربت وجوقة جوفِها تشْحُن انتشاءَ دفءٍ ؛ كاد أن يُقضى عليه لولا أن ماءتْ بغرور .. دفعها بقوة.. سقطت ..هاجتْ ..فتحتْ فمَها . توقفَ شعرُها .انقضتْ عليه خدَشت صدرَه المُشْحم .. صرخ .. عض أذنَها .. ماءتْ بقوة .. انفتحَ الباب .. خطوات رشيقة تقترب .. هربت من بين رجليها .. توقفَ الرجلُ عن معاناة معركة غبية..تفصّدَ وجهُه ..تبللت معالمُه .. قلبُه يدفعُ النبضات بشراهةٍ .. جلس على حافة السرير .. أصدرَ كلماتٍ تُعرب عن غضبِه .. دفع الإناء ..انسكب الحليب .. أخذ معطفَه…جلس عند باب الحديقة .. الرعد يُصدِرُ وعيدَه .. يجلدُه البرق .. يظهر ظلُّه على هيئة سِنّور منفوش الشعر .. زغردَ ضفدعُ الماء عند أقصى حجر مُورق العشبَ من تحته .. السحابُ يهروِلُ نحو طريقٍ مسدود .. يعاود الكَرّةَ نحو طريق أخرى ..يحتشد عند باب بيته .. تُزمجر أصواتٌ متداخلة : الريح .المطر ..مواء القطط .. سفادٌ عند أعلى دالية تتدلى عراجينُها عند ملتقى نقيق الضفادع .. الطرقات باتت تجرف الآثار…شحبت معالم الطريق .. اندفع باب المنزل بشدة مصفقة الشبابيك رياح باردة تدخل دون استئذان كرجال شرطة يبحثون عن مجهول ما ..
الرجل يرتعد ..المرأة الرشيقة .. تمسح العرق عن وجنتيه .. شفتاه تزبدان .. روائح الخل تعبق بالمكان .يخبرها عن موعد أخير مع جميلة في مقهى بشوارع استوكهولم .. يتفصد جبين المرأة .. يدخل حديث آخر .. رآها أولَ مرةٍ في بيروت ..هربت منه مثل مجنونة…قال بدلال مائل نـــاعمة نــــاعمة ..بيضـــاء ..رقيقة.. لاتشبه زوجتَه الحمقاء التي كسّرت الأوانيَ في المطبخ !
اشتعل الغضب في قلبها .. أدلقت عليه كوبَ ماءٍ بارد .. جلس مرتعدا .. عيناه في سقف الدار .. صرخ .. تأوه . الحمى ارتفعت .. ردد .. النار تحرق المدن .. الطائرات قصفت المدنيين .. اخرجوا من البيت .. بسرعة .. خرج الأطفال صارخين .. ازداد صراخا : الآن الآن : الطائرة تقصف .. لاتتجهوا نحو اليمين .. لاتقفلوا الشباك .. الآن الآن .. أسرعوا : اندفعت الشبابيك .. أرعدَ المكان .. زمجرة قوية لصاعقة هدأت على إثرها الأصوات .. فاق من غيبوبته .. بعد أن تحسس ناصية رأسه المشدوخة .. قال : أين أنا ؟ أما زلتُ تحت الهدم ؟!