كانت ديانا من أم عراقية و أب لبناني، وكانت تحمل الكثير من حدة و قوة الانسان العراقي و الكثير من جمال الإنسان اللبناني، فقدت والدتها في نفس العمر الذي فقدت فيه أنا والدتي. سألتها ذات مرة كيف حدث ذلك؟ أخبرتني أنه اثر انفجار في إحدى أسواق بغداد، عندما كانت تقيم عائلتها هناك قبل انتقالهم إلى بيروت مرة اخرى، فور سماع الانفجار خرجت رفقة اختها إلى مكان الفاجعة محاولتان البحث عن جثة أمهما.
سألتها بصوت خائف خافت: هل تعرفت عليها : صمتت قليلا ثم أجابت في كبرياء موجوع: نعم.
لقد كان مجرد تخيل الموقف بالنسبة لي أمرا في غاية البشاعة و الروع…كانت ديانا أقوى مني، استطاعت أن تتعرف على جثة امها التي رحلت في حرب قذرة، بينما أنا لم استطع أن ألقي النظرة الأخيرة على جثة امي التي رحلت في سلام.
كثيرا ما تصقلنا الاوجاع و النكبات فنكون أكثر عمقا و قوة و رؤية، ديانا كانت إنسانة عميقة، عاشت طفولتها في الحرب الأهلية في لبنان ثم غادرت و عائلتها بعد سنوات و لم تكن تعلم أنه ستكون هناك حربا أخرى تنتظرها في العراق.
كنت أشعر بقربها احيانا مني كانت تقول لي: “بحسك تشبهيني بمطرح ما…” ثم تعود لتوقف شعورها، كانت تقول: لانه رحل في حياتي الكثيرون فإنني لا احب ان أتعود على أحد، فأنا أيضا كائن مرتقب الرحيل في أي وقت.
لم تقم ديانا في تلك البلاد إلا أشهرا معدودات، ذات مرة لاحظت غيابها، سألت عنها السائق بشار، اخبرني أنها على الأرجح عادت إلى لبنان، و بعد يومين وصلني منها مسج: اعذريني زهراء، “كما كان يحلو لها مناداتي” …لم أكن على قدر من السعادة هناك، أما هنا فساكون على قدر من الإحساس بالانتماء….. الانتماء، كانه مصطلح غريب علي، لم أكن أشعر به على مستوى محيطي و الأفراد و انا في الجزائر، لم أكن أشعر به إلا فيما كنت اكتبه احيانا أو أرسمه أو حتى في حالة تشبهني اعيشها.
و تساءلت، أما كان لديانا أن تخلق محيطا يشعرها بالانتماء و قد كانت البلاد تعج وقتها بالجاليات اللبنانية و السورية قبل أن تحل لعنة الثورات العربية و تغلق على جل العرب منافذها؟
ديانا كانت نحاتة فما كان لها أن تبتعد عن مشغلها الذي كانت تقيم فيه لساعات يوميا، و ما كان لها أن تقيم اخرا و تعيش انتماءها في بلاد، العمر فيها محسوب عالتكة.