سؤال يلح على ذهنه منذ خرج من الحجز الاحتياطي , يبحث عن عنوانه لكي يعرف إجابة سؤاله، شهرين منذ خرج وحالته الصحية لم تسعفه أن يتحرك يمنة أو يسرة , كانت فترة الحجز الممتدة لأكثر من عام بالنسبة له كظلام دامس.
زنزانة تحت الأرض لا يعلم شيئا عما يحدث خارج الأسوار , ذاق كل ألوان الهوان والعذاب وتمنى الموت مئات بل آلاف المرات , بشرى جيدة , قالها له صديق الاعتقال , عثرت على العنوان يلزمك سفر طويل من الجنوب إلى الشمال . القطار ينهب الطريق نهبا ولكنه لا يستطيع أن يجتث أفكاره فحلق بفكره بعيدا عن السؤال الذى يراوده فتراءت له خيالات عام مضى.
طالت الرحلة وصولا إلى آفاق بعيدة من الهلوسات التي اجتاحت عقله , سار في طريقة الذي اختاره واعدا بالعودة مرة ثانية لعالم الواقع . الطريق من المحطة للمنزل المقصود ليست قصيرة , اختار السير وسط الصخب والضجيج , يمني نفسه أن يتوه وسط الزحام وان تذوب أفكاره في وجوه المارة , طاردته كل لحظات المعتقل , تبلورت رؤيته لوجه واحد فقط هو سبب بلائه رغم أنه كان واحدا ممن عذبوه , حاول ان يقنع نفسه أن صورة الأب على هذا الوجه هي ما رفعت سقف أمنياته أن يرحم ضعفه وهزاله , لاحظ بعدما خرج ورأى صوره القديمة كأن من يعاينه بالمرأة شخص آخر لا يعرفه , طال الطريق والأفكار وزاد إحساسه بالمعاني المؤلمة حتى وجد نفسه أمام المنزل , سأل الدكاكين المفتوحة عنه , تطوعوا جميعا بالثناء على الرجل , أمتعض بقدر ما سمح له الموقف وصعد درجات السلم بشق الأنفس .
سمع صوتا نسائيا من خلف الباب يسأله من هو وماذا يريد ؟. استند بكلتا يديه ورأسه على الباب, جزعت حينما وجدته مسجى أمامها على الأرض فنادت أمها التي هرولت مستعلمة عما حدث , خرج أبوها وأخوها .
مددوه على الأريكة , حاول الابن الكبير افاقته , حينما أفاق جعل ينقل ناظريه بينهم كأنما يتساءل عما أتى به لهذا المكان , استغرب من شكل الرجل وجعل يتفحصه ،يفرك عينيه كمن يحاول أن يتأكد مما يرى . لحظات وكانت المائدة عامرة بما قسم الله لهم من طعام , ازدرد بعض اللقيمات تساءل عمن يكون هذا الرجل ؟. لايشبه من أريده تماما , وجهه أبيض مشرب بحمرة وتبدو عليه أمارات الصلاح واحس ناحيته باطمئنان غريب , كأن صورة والده تجسدت فيه تماما . سأله ألست أنت الصول ابراهيم السجان ؟ أجابه بنعم . مئات من الاسئلة انزاحت من مكانها وتركته لحيرة شديدة فهل يسأله عما أتي من أجله أم يرحل دونما كلام ؟ .
ابتدره الرجل بتعريفه على أسرته والتي يراها بالفعل أسرة طيبة جدا . بنت محامية وولد طبيب وصبي صغير وسيم .. تبدو عليهم أمارات السعادة في كنف رجل طيب . ساد الصمت فترة حتى سأله الرجل عن أحواله بعدما خرج من المعتقل ولماذا فكر أن يزوره هو بالذات ومن أين عثر على العنوان . ظلت أسئلة الرجل معلقة في أحبال الصمت والتي قطعها استئذانه للانصراف حتى يلحق موعد القطار .
- أربعة جدران بلا سقف
- التعليقات


