في البداية أحببت بشرى إيجورك.. تلك الممثلة الجميلة بشعرها المجعد الجذاب، وصوتها الرقيق، وضحكتها التي لا تفارقها.. لم يكن لحبي لها علاقة بشعرها، ولا كان مرتبطا بكونها ممثلة ولا حتى مخرجة.. ما أحببتها بسبب برتقالتها المرة.. أحببتها لأنها كاتبة فقط.. كاتبة ناجحة بالنسبة لي.. كاتبة بنفس أسلوب أحلام وربما بوجع مضاعف.. لم يكن لزميلاتي بالثانوية أن تأخذنني من بشرى، لم يكن لهن تلك القدرة التي تملكها هي.. جميلات وجذابات وأنيقات… ربما.. لكنهن لا يكتبن كبشرى.. مقالاتها وأشعارها كانت نموذجية في مخيلتي.. كنت أحلم بأن أكتب مثلها يوما رغم أن صديقتي الراشدي أخبرتني عشرات المرات أننا نكتب أفضل منها.. ما كان لي أن أصدق.. فالطريقة التي تنسج بها بشرى حروف نصوصها قاسية.. ملهمة.. تزعج.. توقظ في داخل الكاتب نارا غريبة.. لا هي نار غيرة ولا هي نار إحساس بالنقص.. المهم أنها أوقعتني في حبها بما كانت تكتبه.. أخذت صورها من صفحات المجلات والجرائد وصرت ألصقها بباب خزانتي وجدران غرفتي.. كان حبا غريبا.. حب لا علم لأحد به إلا أنا وأفراد أسرتي الذين كانوا يسخرون مني..
كتبت نصوصا كثيرة من أجل بشرى، وكنت دائما ما أحلم بأن نلتقي يوما.. لم نلتق لكني حدثتها هنا عبر نافذة الانبوكس التي لا تطل إلا على السواد.. كانت انيقة في حديثها جدا.. لم أتردد في أن أخبرها عن وقوعي في حبها ذات جنون.. لم أكن أنتظر منها ان تبادلني الحب بالحب.. اكتفيت بالاحترام الذي أحستني به.. اكتفيت بالمودة التي أبدتها.. كنت أعلم أيضا أنها لن تحب أحدا أكثر من حبها لكلبها الذي تتحدث عنه في كل حواراتها الصحفية..
كنت ملزما بالبحث عمن تشبه بشرى.. كنت ملزما بالبحث عن أنثى تكتب.. لماذا لم أحب صديقتي الراشدي..؟.. ما كان بيننا أكثر قدسية من الحب.. والأهم أنها كانت واقعة حد العمى في حب رجل آخر.. كان ذاك سرنا الصغير.. مازال كذلك وإن رحلت.. حبل الصداقة لا ينقطع حتى وإن انسحب أحد الطرفين. حبل الصداقة ممتد امتداد الحياة..
الحقيقة أني لم أبحث.. تركت الأمر بيد الصدفة.. البحث عن الحب هو علاقة منتهية حتى قبل أن تبدأ..
صادفتها ذات أبريل.. قبل أيام ثلاث من ذكرى مولدي.. أكره أن أسميه عيد ميلادي، فمن أنا لأسمي تاريخ مولدي عيدا..؟ أصبت يا هشام الجخ..
كنت يومها في جولة سياحية رفقة فوج قادم من النمسا، أخبروني أنهم قرؤوا الكثير عن فاس وعن تاريخها وعن مداراتها السياحية… لذلك تركت لهم الفرصة لاختيار الأماكن التي يريدون زيارتها.. من القرويين إلى المولى إدريس ثم دار الدبغ شوارة… لنختم الزيارة بعدها بالبرج الشمالي بجانب فندق المرينيين المطل على المدينة العتيقة.. هناك تغيرت رحلتي..
كنا على بعد دقائق من السادسة مساء، كانت الشمس قد اقتربت من مغادرتنا يومها.. بدا الجو هادئا.. كان المكان يعج بسياح آخرين، كان بالمكان رجال آمن كالعادة لذلك تركت للنمساويين الفرصة للاستمتاع بالمكان ولأخذ بعض الصور للذكرى، فالمنظر من هناك يبدو بانوراميا على رأي تلك النمساوية العجوز التي دنت من السبعين.. كنت أعرف المكان جيدا وزرته عشرات المرات قبل ذلك لذلك لم أكن في حاجة لألتقط صورا لنفسي ولا لأن أستمتع بالمشهد.. عندما نعتاد بعض الأشياء تصبح عادية في نظرنا مهما كانت جميلة.. كذلك هو حالنا مع الأمكنة وربما مع البشر أيضا..
قصدت الجهة الخلفية للبرج وفي نيتي أن أتكئ على شظايا السور لأمنح جسدي القليل من الراحة التي يحتاجها جدا.. لم أكن لأتصور أن بحثي عن سور يريح جسدي سيجعلني أعثر عمن ستتعب قلبي لسنوات.. لم أنتبه لشعرها الأشقر المنسدل حتى أسفل خصرها، ولا انتبهت لجاكيطها الجلدي الأسود التي تضعه فوق صخرة صغيرة على يسارها.. لا أدري إن كانت قد أحست بالحر فنزعته لتكتفي بقميصها الأبيض الذي يتجاوز كتفيها أو أنها حاولت التشبه بالسياح من حولها.. لم أطرح هذه الأسئلة على نفسي حينها.. طرحت سؤالا مختلفا تماما: “هل هي تكتب حقا..؟”
كانت تلم ساقيها معا، تنظر أمامها، ويدها اليمنى تتحرك بشكل يوحي أنها تكتب.. كان لابد أن أتأكد من الأمر، لذلك تسللت ببطء من خلفها حتى لا تحس بتواجدي، كنت أدنو على أطراف أصابعي إلى وجدتني أقف عند رأسها من خلف.. قلم أسود وأوراق بيضاء دون أسطر ولا هوامش.. أعلى الورقة كتبت بحروف كبيرة وبارزة في ما يشبه العنوان: “بائعي الرماد”.. لم أتردد وأنا أقرأ ذلك في أن أنحني من خلفها وأمد إبهامي إلى كلمة “بائعي” لأقول:
– بائعو..
توقعت أنها سترتعب من حركتي، توقعت أيضا أن اقتحامي لها بتلك الطريقة سيزعجها.. لفت رأسها نحوي ببطء، أشعة الشمس المغادرة انعكست على ملامح وجهها فأضفت له لمحة غريبة الجمال، زادها جمالا أن أجبرتها الشمس على إغلاق عينها اليسرى لتبدو وكأنها ترمش لي لحظة قالت وهي تتطلع بي:
– هاااي
لا لم تكن أجنبية، لا هي من لبنان ولا هي من مصر.. ملامحها كانت مغربية جدا..
– آسف إن اقتحمت عزلتك..
– لا لا يهمك، لقد أنهيت نصي.. كنت انوي المغادرة الآن..
– تكتبين إذن..
– أنا نادين عاطف.. لا ادري إن كنت كاتبة.. المهم لي مجموعة قصصية نشرتها قبل سنة.. وأيضا لي مدونة عبر النت أكتب فيها بالتزام..
– لن أطلب منك اسم مدونتك ولا عنوان مجموعتك.. هل لي بنص مخطوط من بين أوراقك هاته..
– ممممممم حسنا سأختار لك نصا..
– أغمضي عينيك وامنحيني نصا..
لحظتها كانت العجوز النمساوية تناديني لذلك كنت مضطرا للانسحاب لكني قبلها انحنيت، خطفت قلم نادين، أمسكت يدها اليسرى سحبتها إلي ودونت رقم هاتفي في كفها.. أعدت لها القلم.. تركت يدها.. خطفت ورقة من وسط أوراقها وقمت مغادرا.. ابتسمت.. وقبل أن أختفي خلف شظايا السور جاءني صوتها:
– لم تخبرني باسمك..
– اختاري لي اسما يناسبك..
– شكرا على التصحيح يا إسلام..
– أعجبني الإسم.. سأجعله اسمي في نصوصي القادمة..
– تكتب إذن..
– وداعا يا نادين..
كانت العجوز النمساوية تبحث عني، سألتني إن كان هناك حقا نفقا يربط بين البرج الشمالي والجنوبي، قالت أنها قرأت ذلك في دليل سياحي.. أخبرتها أني بدوري قرأت ذلك في مرجع تاريخي وليس لي أن أؤكد الأمر أو أنفيه.. لم يقنعها جوابي.. كانت تحتاجني لأكذب عليها وأجيبها بنعم حتى يكتمل إعجابها بفاس ربما..
لم تتصل نادين عاطف لأشهر خمس.. كنت كل مرة أعود لأقرأ نصها المخطوط، كان بعنوان ” إلى أين يا أنا؟”.. لم يكن نصا بقدر ما كان بوحا بأخطاء عادية.. توقعت أنها ما كانت لتسمح لي بأخذ ذاك النص لو سمحت لها الفرصة بالتدارك.. كانت تتحدث فيه عن تخرجها من الجامعة، قسم ألمانية، تحدثت فيه أيضا عن كرهها لوالدها الذي طلق والدتها وهي بسن السابعة.. تحدثت أيضا عن خطيئة كبرى لكنها لم تذكرها.. والأسوء أنها تحدثت فيه عن تجربتها الجنسية رفقة زميلها بالفصل..
ثم حدثت الصدفة الثانية.. اليوم الثالث من المعرض الجهوي للكتاب هنا بفاس.. ولجت المعرض بالصدفة، كنت متفرغا ذاك المساء، فليس من عادتي أن أحضر معارضا للكتب، معارضنا تشبه سوق عيد الأضحى.. المساومة أقصد.. كنت أنوي استطلاع العناوين الجديدة ثم أغادر قبل أن تقع عيني على اسم “نادين عاطف”، كان مرقونا بمداد أسود أسفل العنوان المرقون بمداد أحمر مضغوط “الهزيمة الثانية”.. قصص.. اقتربت من العارض وسألته عن سعر الكتاب. دفعت له العشرون درهما التي طلبها وهممت بالمغادرة إلا أنه أوقفني:
– الكاتبة هنا إذا أردت أن توقعه لك..
وقفت متسمرا أنظر إليه، أأبتسم أم أصرخ.. كيف لحلم انتظرته خمسة أشهر أن يحضر إلي هكذا فجأة.. تذكرت حينها فيلم “الصدفة Sererndipity “.. أجل أنا لا أشبه جوناثان ولا هي تشبه سارة.. إلا أنها صدفة مشابهة بطريقة ما..
– تقصد نادين؟
– أجل إنها هناك..
وأشار بيده لخيمة على اليسار.. سرت إلى هناك بخطوات متثاقلة.. شابان كانا يقفان أمام المكتب، منعاني من استطلاع من خلفه، واضح أنها نادين كانت توقع مجموعتها لهما.. دنوت ووقفت خلفهما دون أن أسمح لها برؤيتي.. شكرها وغادرا.. انكشفت لها:
– وقعيه باسم عبد السلام..
– أفضل إسلام..
– إذن..؟
– أخذت النص الخطأ يا إسلام.. لم تكن لي القدرة على مواجهتك وأنت تعرف كل ذلك عني، عرفت كل أخطائي.. كلهم ينظرون لي ككاتبة ناجحة إلا أنت تنظر لي كساقطة.. أليس كذلك؟
– قرأت نصك لخمسين مرة.. لم أكتشف أية أخطاء ماعدا أخطاء الرفع والكسر، أحيانا ترفعين بالألف ما يجب أن يكسر بالياء.. لا تقلقي يحدث معي ذلك أيضا.. للقارئ أن يعذرنا..
ضحكت لحظتها بطريقة هادئة، لم تنس أنها كاتبة في معرض للكتب..
– سأغادر بعد نصف ساعة.. متفرغة أنا لبقية المساء..
كتبنا نصوصا معا لسنتين، كنا نوقعها باسم “نادين إسلام”.. كانت نصفي وكنت نصفها المتخيل.. أجل كنت حينها على حافة علاقة أخرى ولم أخفي عنها ذلك.. لم يزعجها الأمر بل على العكس تماما:
– لا تنهي علاقتك بها أبدا.. فأنا قد أرحل في أية لحظة..
– لن ترحلي عزيزتي..
– دعنا لا نتحدث عن الرحيل ما دمنا معا.. تحبني إسلام؟
– الأمر يتوقف على تعريفك للحب نادين..
– أن تفكر في قبل أن تنام.. لا احتاج منك أكثر من ذلك يا إسلام..
– تحبينني كما أحبك نادين..؟
– أعدك ستظل بداخلي حتى وإن غادرت.. ستظل الوحيد الذي يشاركني أحلام ما قبيل النوم..
لسنتين، كنا معا.. كنا نحيا وكأننا الوحيدان هنا بين جدران هذه المدينة.. نلتقي كل سبت.. مرات كثيرة صادفتني رفقة الأخرى وسط المدينة، كانت تبتسم لي وتمر بهدوء لكن بعدها بثواني تصلني رسالتها المرحة: “ناسبك الأحمر الداكن.. أحبك” “ما بك تبدو عابسا، ابتسم.. أحبك” ” لا تدعها تتأبط ذراعك.. أحبك”.. كان كل شيء فيها يدعوني أجن بها ومن أجلها..
– ذكرى ميلادي بعد غد الإثنين.. لا أحب الهدايا ولا أقبلها.. لكني سأنتظرك في المنزل عند الخامسة زوالا.. لي شيء من أجلك..
– ممممم أيقظت فضولي.. متحمسة أنا للإثنين..
حضر الإثنين.. الساعة التاسعة صباحا.. أمر وسط الشارع في اتجاه أحد مراكز اللغات، في طريقي مررت بكشك للجرائد قبل أن توقفني صورة نادين على الصفحة الأولى لإحدى الجرائد.. اعتقدت أن الأمر يتعلق بحديث عن مجموعتها القصصية أو بحوار أجرته معها الجريدة لذلك اقتربت من الكشك وفي نيتي أن أقتني الجريدة لأقدمها زوالا.. إلا أن ما قرأته جعل قدماي غير قادرتان على تحمل جسدي.. كان الخبر كان صادما.. وكأنه كان حلما أو تهيؤا: “إلقاء القبض على الكاتبة نادين عاطف رفقة خليجيين في فيلا مهيأة للدعارة بفاس”..
أتلك خطيئتك الكبرى يا نادين..؟

