أخر ايام شعبان
رجعت من شغلي، وجدت شقتي مقلوبة رأسا على عقب، وتفيدة تقف وسط بناتها منكوشة الشعر مبلولة الثياب، تمتليء عينيها بنظرات تحفز نارية متأهبة للانطلاق صحبة لسانها اللاذع الموجع، هي تعلم أنني أكره ذلك الضجيج الموسمي المزعج، الذي يحرمني متعة الجلوس أو النوم على كنبة الأنتريه في صالة شقتنا، منتظرا طعام الغذاء الذي يجعلني شقاء يوم عملي الطويل في أمس الحاجة إليه، تفيدة لا تدرك أن تأخير الطعام وتكدير النوم مغضبتان كبيرتان حذر منهما الزوجات كل حكماء وحكيمات الأرض، وهي في خضم انشغالها بتلك المهام الموسمية الضرورية جدا من وجهة نظرها لا تأبه بي ولا بجوعي أبدا، سأتناول غذائي باردا في المطبخ، قطعة جبن أبيض ورغيف خبز يابس، لن استمتع بتناول كوب من الشاي، حتى لو أعددته لنفسي، فلن تسمح لي تفيدة بالبقاء في المطبخ أكثر من تلك اللحظات التي ازدرد فيها على مضض تلك اللقيمات القليلة، لن استطيع بعدها أيضا أن أقيل في غرفتي أو أية غرفة في الشقة، كل أبواب الغرف وشبابيكها مفتوحة على مصارعها، وكل الستائر ليست في أماكنها، علي أن أفهم من تلقاء نفسي، أن وجودي في البيت ليس مرغوبا فيه في ذلك اليوم، وهكذا أدركت فعلا.
أحاول أن أعترض، يمنعني خوفي الذي اكتسبته من واقع خبرتي الطويلة من العيش مع تفيدة.
لا أبدي أية اعتراض على ذلك الظلم الواقع علي، اتجه في صمت ناحية باب الشقة، سأذهب إلى المقهى أقضي فيه ساعات انتظار مملة مرهقة، ريثما تنتهي تفيدة من تنظيف الشقة، قبل قدوم الشهر المبارك، حتى تصبح لائقة باستقبال ضيوفنا على الإفطار، وقبل أن أغلق باب الشقة خلفي، أسمع تفيدة تقول:
…ما تتأخرش يا شملول عشان تركب الستاير…ما هي دي الحاجة الوحيدة اللي بتعرف تعملها
أسمع بعدها صوت واحدة من بناتي، بدت وكأنها تدافع عني قائلة:
…لا يا ماما بابا بيعرف يركبلنا زينة رمضان كمان.