حملت حفنة مُناه وارتحلت..
اتّسعت هوّة الغياب، انهالت عليه سياط الحنين ..
أثخنه التّسآل: ” بعيدة مضاربك أيّتها السّماء..أنّى ترتحل أمانيّ إليك..؟”
يمتدّ الجبل أمامه شامخا ثقيل الأنفاس تلحس أسمالَ بُرْده الخشن مقبرةٌ حزينة، على جبينه تهوي السّماء تعانقه..
في جوفه يحبو الرّاحلون نحو الغياب، يتسلّلون إلى فؤادها في شهد القُبل.
“سأصّعّد الجبل..”، قال، “سأعبر بوّابة السّماء عبر نشوة الوجد وارتجافات الوصال..”
عيناه عالقتان بالصّورة الفاتنة.
تخشّب كفّاه وهو يجاهد الوَهَن يصّعّد نحو تباشير اللّقاء.
وآخر الخطو ينتصب على جبين الجبل، صُعق.. طار ثغر السّماء وحطّ على المرج البعيد..
ردّد: “سأتنزّل، أتسلّل بين وجهيهما نحو منابع الوله السّرمديّة.. فألقاك”
تأبّط أسمال أمْسِ خطاه وامتطى راحلة حاضره الهزيلة ومضى.
ازدادت صبابة العاشقَين فتنة وهو يحثّ الخطى..
ماكرة تلك السّماء.. تنحني إلى الجبل تلثم جبهته الحَزيزة، تهوي إلى الوادي السّحيق ترتشف رضابه العكر، تُسند رأسها في حجر السّهل الأجدب، تحضن الغابات الواسعة، وتجفل من خطاه..
يشتدّ حنقه..
تضرب خطاه في كلّ صوب..
كلّما كاد يخترق وصالَهما نحو محرابه المنشود تخاتله السّماء وتنتفض مبتعدة هاوية على وجه بعيد من الأرض تلثمه.
أثخنه التّرحال ولاكت خطاه أضراس الزّمن المهترئة..
انحدر نحو البحر..
“لا أثر للخطى على وجه الماء، ابحث عمّا تلوكه يا زمني..” ردّد مفرقُ الشّيب في عزمه..
ارتمت السّماء على صدر الضّفّة الأخرى.
ارتجفت فرائص العزم وتحلّب الشّوق بمذاق صدإ سنين الصّمت العجاف..
موهَنا ربض ينتظر فوح اللّقاء في الزّبد..