وعدتُ البنات أن أجركن عند الله.. زيحن ما تبقى من الطريق..
حملت صوفيا ما تبقى من أمتعتها، ورفعت حاجيّاتها على رأسها..
كان اليوم الشامس قد بصق في وجهها غضبه قطرات من العرق، تتقاطع وتتجمع على خيوط رفيعة تجري منحدرة داخل ممرات ومسالك أنشأتها تجاعيد الضيق وعدم قدرتها على التحمل، تصبّ كي نارها في فوّهات عينيها وتختلط بنبت دمعات آبية..
دفعت العزيمة الساقين المرهقتين وهي تحمحم كمهرة عطشة أثناء السير، واليد الصغيرة المستسلمة المستكينة كأنها مربوطة كعقدة بين أصابعها العصبية المنفعلة لا تدري بأيّ حال بصاحبتها، التي انغرست أصابع أقدامها الطريّة في الرمال الحامية، والغبار الأسود من أثر القذائف القريبة والمتباعدة صبغ الوجه ولونه بمعالم خوف متحجرة، كما لو أنه لتمثال تاريخي يحاول سحقه الزمن الحاضر، وشعر أشعث تصلّب واقفا، كانت عليه خصلة ناعمة تتدلى..
هذا كل ما تبقى من أسرة صوفيا التي تبلغ ستة عشر عاما ـ مرتبة إسفنجية وبعض الملابس الثملة ومذياع والدها، وأختها رابحة التي تبلغ من العمر خمس سنوات ـ ودمّرت القذيفة العابثة منزلها ومنازل جيران الحارة بأكملها، وماتت كل عائلتها مع العائلات المجاورة..
حكت لي حكايتها على عجل وهي منشغلة في رفع الأنقاض، في ثبات المتوقّع للحدث، ولم تنظر إليّ قط..
أنا رجل الدفاع المدني المكلّف بالإحصاء من خلال الحزب الذي كنت أحسبه قبل هذه اللحظات أنه شيء ترفيهي، وكرنيه لا يفارق جيبي أتباهى به وسط الأصحاب، وتيسير أموري في المصالح الحكومية..
تابعت خطواتها الغاربة والشمس مسلّطة على هيكلها الهزيل، وأختها الطفلة التي تتأبط يدها..
تتلاشى من أمام عينيّ، كأن السراب يفنيها ويحيلها إلى شبح ساطع كالنور الذي يتحدى العتمة، ودّعتها دمعاتي الساخنة بعد أن خفت صوتي الجاهوري المتظاهر وسط الأهالي الذين كانوا ينظرون لي كأني وحيّ منزّل معي رسالة بنجاتهم وبعثهم للحياة..
بدأ صوتي يتهدّج وأنا أكتب لها ورقة إلى المخيّم الذي يقع على الحدود، والخوف يأكل نبرتي الحادّة، وويلات الطريق الذي تسكنه الحيّات البشرية المموّهة في كل ركن مطفأ تبخ الموت أو الفتك بالأجسام الطريّة..
ـ تعيش خيّ صالح.
ـ ديري بالك ع حالك.
وكأني ذكرتها بالموت في لفتة سريعة من وجهها مصوّبة إلى عينيّ، وعينيها الواسعة المتحدية العميقة، كأنها تتنكر لصوتي وكلماتي..
ـ شو قصدك عم صالح؟ الموت؟ .. كأنه كارهني.. شيطان.
استدارت رفعت الحملة في تحدي، ومضت..
عندما اختفت أطحت بالكرنيه وأوراقي في وجه الغبار الصاعد، وشققت صدريّتي، وفتحت ساقيّ للريح مهرولا..
ـ تعالي.. تعالي.. تعالي هون.
كانت يدها تعبث داخل الحمل على رأسها في حرص وتضم رابحة بجوارها..
زفيرها الحارق قبل الصعود والخروج كأنه يدفع في قوة وضجر حمل الأرض، والعينان قد ماتت قبل ثوان.. منفرجتان مبحلقتان لا ترى غير ما ترى..
ـ حطي غراضك هون.. عدّي.. انتظريني بالداخل.. عدّي.
كانت يدها قبضت عليه، وهي تضم صغيرتها إلى صدرها، حيث تحرك خطوتين في اتجاهين في الكبد الصغير النابض، ووجه الصغيرة كان منيرا ينظر إلى عينيها في شغف ألم غريب، ولم يكمل ابتسامة، وفي انبهار المفترس المنتظر، زجّت النصل بكل قوة وغيظ في بطنّه المتّخم، وهي تحتضن جثمان أختها الساخن الحي؛ فأطلقت كل رصاص مسدسي على أفراد الكتيبة، وهي تودعني في ابتسامة.
- أنّـــــة وطــن..
- التعليقات


