بأذن واعية يصغي إلى تهكماتهم، ضحكاتهم..و سخريتهم الفجة.
يعتصر قلبه ألم حارق يدمي العيون، كيف لا و هو في موضع لا يسمح له بالرد عليهم؟ كيف لا و هو يعاني مأساة الشلل؛ شلل الأطراف و اللسان؟
ليس بوسعه إلا أن يحملق فيهم، ثم يدير عينيه في المكان، تخنقه رائحة غرور كل من حوله من إخوته…يحاول بين الفينة و أختها أن يمد يديه ليسد بهما ما يستطيع من حواسه، البصر..الشمّ..السمع..لكن هيهات هيهات و هو مقيد إلى مكانه لا يستطيع الحراك إلا بمساعدة هؤلاء المتكبرين، يقلّبونه ذات اليمين و ذات الشمال، ثم بكل قسوة يتركونه في مكانه المعتاد.
أشدّ ما يزعجه حينما يرفعون أنوفهم و هم يحركونه كأنه قذارة عفنة، و حين يقيمون حفلات الهجاء على شرفه، فيما يمتدحون أقرانه القابعين معه في ذات الغرفة، و هم يضمونهم بأيديهم بكل حنان و إلفة، و يقبلونهم بأفواههم و لا يفتؤون يشتمّونهم بشغف.
في كثير من الأحيان يرفع بصره إلى السماء، و كأنه يعاتبها في ضعف و استكانة عن هذا المصير الذي آل إليه، عن سبب هذا القدر من الإهانة التي يتعرض لها، و يسألها مخنوقا: ألست خلقا من خلقك؟ ألم أرضَ بنصيبي و قسمتي؟
فأيُّ ظلم جُرْتٍ به عليَّ؟ و أيُّ ذنبٍ اقترفتُ حتى أنال كل هذا الجزاء المرير؟
لا شيء مستحيل، نعم…فالسماء دوما تسمع دعاء المظلومين، و لعله هذه الليلة صادف لحظة استجابة…
مدَّتِ السماءُ يدَ البركة إليه، و بعطفٍ غير مسبوق راحت تداعب وجناته الصفراء، فاحمرَّت و دبّت فيها الحياة، و سما الأمل في روحه، و نهض من فراشه حازم العزم، قوي الإرادة، رافع الهامة، ممشوق القوام، جريء الخطوة.
أصيب بالحيرة و الدهشة، و انسكبت من عينيه دموع فرح غريب، لقد ارتقت السماء به و رفعت من قدره، فجأة تحول الازدراء الذي كان يعانيه احتراما و تبجيلا، بل إنه وصل في بعض الأحيان لدى الكثيرين حد الخوف و الوجل.
ماذا عساه يفعل؟
كيف يقدم واجب الامتنان و العرفان للسماء؟ و قد شعر أخيرا بقيمة وجوده و كينونته الخاصة.
رفع يديه شاكرا حامدا، راح يوجه بصره أنّى يشاء، دون أن يشعر بالخجل أو الانتقاص، بل و بدأ يلمح في عيون الآخرين دموع الندم و الحزن على ما فرطوا فيه في جنبه.
هكذا غدا رفُّ البصل رفًّا محترما مهاب الجانب، يقف بصلف بين رفوف رفاقه من الخضروات و الفواكه، بعدما ارتفع سعره حتى أصبح يبزُّها جميعا.
- ارتقاء
- التعليقات