تعالت الأصوات واختلطت الكلمات والأصوات لتشكل ضجيجاً مختلفاً، يبدو متناغماً لمن يسمعه مضطراً ولفترة طويلة، ذكرني هذا بدويّ الدبابير يوم هاجمتني وأنا أحاول أن أكون عاشقاً، إذ صعدتُ سوراً، وخلال النزول كانت يدي تغرق تماماً في العش لأكتشف مبكراً أنني كنت مجنوناً.. ذكرني أيضاً بجلساتي الطويلة بجانب «وابور الكاز» وأنا أغازل إبريق القهوة السادة، كنت أسمي «الوابور»: «الفرقة المطيعة»، يمشي في رأسك كما تريد!
الكل كان مشتاطاً ويعبّر عن امتعاضه بطريقته الخاصة. «أبو خليل» الذي يسكن الشقة الخامسة في الطابق الثالث قال: «هذه قلة حياء وعدم إحساس»، و»نزيهة» التي تسكن الشقة الثانية في الطابق الرابع قالت: «هذا انحدار بالذوق»، بينما «الشيخ علي» الذي تنقل إلى غير شقة وطابق في البناية خلال فترة سكنه، فقد اكتفى بقراءة آيات من القرآن الكريم، أتبعها بحديث نبوي بمعنى أنه لا يحقّ لأي ٍّكان إيذاءُ جاره.
تداخلت الأصوات في ما بينها، وبدأ سكان آخرون بالتوافد، الأمر الذي أدى إلى إزعاج المختار، فترك نومه وخرج مستاءً، تتبعه نساؤه وهن يحاولن تهدئته وإطفاء غضبه.
– ما سبب كل هذه الضجة؟
أخبروه أن رائحة غريبة تتسلل عبر نوافذهم، كأن أحدهم يشوي كلباً أو حماراً خلف البناية، والنوافذ ليس بالإمكان إغلاقها، فالدنيا الصيف والحرارة مرتفعة.
السيد رؤوف يعاني من الربو، ودخان الشواء قاتل بالنسبة له، أما السيد خلف فقد اعترف بأن الشهية وصلت إلى أمعاء زوجته وأبنائه مما جعلهم يتذمرون ويتمنّون وجبة مشوية من اللحم. وقال السيد مناع إنه يكره اللحم هو وأبناؤه وزوجته، وإن رائحتها تسبب لهم الغثيان والاشمئزاز، وعبّرت السيده هنية عن شعورها بالاختناق.
صاح المختار: «بسيطة، من لا يملك التكييف يقفل النافذة ويستعين بمروحة»، قال أحدهم: «لكن الهواء سيظل ساخناً بما أنه لا هواء يأتي من الخارج ليبرّد الذي في الداخل». أطرق المختار، ونظر إلى سكان العمارة وقال: «لا بد إذاً من أن نمسك بهذا الشخص ونرميه مع لحمه وناره إلى جوار بناية أخرى».
هنا اقترح السيد شكْري أن يسلّموا الفاعل إلى قسم الشرطة بتهمة الإزعاج. رد عليه السيد فهيم وقال: «يا رجل، نحن نعيش الديمقراطية، والشرطة لن تقبض على رجل لمجرد أنه يشوي اللحم». أما الشيخ إبراهيم فاقترح أن يُجْلَد ذلك الشخص أمام الجميع ليكون عبرة. وقالت السيدة نبيهة: «بل نسجنه في سرداب البناية»، فردّ عليها المختار: «السرداب كله أجّرْناه».
نظر الجميع بعضهم إلى بعض بستغراب، فصحيح أنهم يسمعون أصواتاً، لكنهم لا يرون بينهم من يسكن السرداب! خيّم السكون على الجميع وهم يتبادلون النظرات قبل أن يخترقه صوت أحدهم: «علينا أن نبدأ الآن.. ماذا ننتظر؟»، فملأت الحماسة قلوبهم، وشكّلوا مجموعة لكل اتجاه وانطلقوا.
ولم يمضِ وقت طويل حتى عادوا إلى نقطتهم الأولى يلهثون، وأحدهم يقول: «فصّ ملح وذاب!»، وقال آخر: «رأيته وهو يحمل المنقل وأسياخه تحت إبطه»، وقال ثالث: «لولا لطف الله لَدخلَ سيخٌ بعيني وأنا أحاول الإمساك به». ثم جاء المختار يلهث وهو يقول: «كان بينه وبين حجري إصبع واحد، أين اختفى، أين ذهب؟». لم يعرف أحد، غاب الرجل وغابت الرائحة، وعاد كل واحد إلى فِراشه يرجو بعض الراحة.
عادت الرائحة للتسلل من جديد، فصاح أحدهم قائلاً: «وهل اختفت أصلاً حتى تعود من جديد؟!».
التأم الجميع مرة أخرى في الليلة نفسها، وقد اتفقوا أن ثمة عابثاً ومخرباً يريد إقلاق راحتهم، ثم قال المختار: «ربما أنه يريد شخصاً بعينه». استغرب السكان من هذا الرأي قبل أن يستطرد المختار: «هذا احتمال، وربما يكون هذا الفعل صادراً عن بناية أخرى لا تريد استقرارنا، لهذا سنعود إلى تشكيل مجموعات؛ بعضها للاستطلاع، وبعضها الآخر للملاحقة.. ولنتزود بالحذر وبأسلحة مناسبة».
أنشأ السكان صندوقاً لدعم هذه الحملة، ووضع بعضهم اسمه ليقوم بنقل الأخبار، على أن يعاقَب من لا يلتزم. «هكذا سنضمن ألاّ نكون عرضة للإشاعات التي من شأنها أن تحْدث بلبلة نحن في غنى عنها»، قال المختار .
مضى معظم الليل وليس سوى مزيد من السوء، إذ حدثت غيرُ مواجهة ما بين المجموعات أسفرت عن جروح غائرة وارتباكات، وانعدمت الثقة بين الجميع. وصارت النساء تتواجه في المصاعد وعلى السلالم، وشجارات الأبناء صارت مؤكدة بعد كل مواجهة بين آبائهم، وتبادَل الرجال الاتهامات الخطيرة، حتى صرخ فيهم رجل مسن: «الرائحة تأتي مع اتجاه الهواء وليست بعكسه، اتجاه الهواء غربي ولم أشاهد أيّ أحد يذهب بهذا الاتجاه، هل أكل الخوف قلوبكم؟!»، قال أحدهم: «ماذا لو كان شبحاً أو شيطاناً؟!»، بينما قال آخر: «وقد يكونون مجموعة ويملكون السلاح».
صرخ المسنُّ بهم مرة ثانية: «واجهوهم! فهذا أفضل من أن نواجه بعضنا بعضاً ويتهم كل منا الآخر، أنا ذاهب في ذلك الاتجاه فمن معي؟»، ومضى دون أن ينتظر، فبدأوا يتبعونه بالتدريج، وكلما اقتربوا ازداد خوفهم، لكن لحظة الحسم جاءت حين وصلوا. كانت المنطقة هادئة جداً، تنتشر الرائحة فيها ثم تختفي، لاحظ أحدهم أن لهباً يطل من حاوية قمامة، فأخبر الرجلَ المسنّ بذلك، وتقدموا صوبها بحذر.. أطل اللهب ثم خفت، نظروا في وجوه بعضهم بعضاً، والصمت سيدٌ عند الخوف والحذر.
ثم اندفعوا مرة واحدة، فذهلوا وعاد الصمت يلجم أصواتهم، قبل أن تنفلت ضحكة من شاب لم يقدر على كتمها.. تقدّم المسن أكثر، ثم هز رأسه وهو يقول: «هذه هي مواجهتكم الكبرى، النار التي تشعلونها أنتم في حاوياتكم كل يوم، فيها أشياء صلبة تجمّرت، وكلما هب هواء مناسب اشتعلت ليطل لسان اللهب هذا، وسرعان ما يخفت».
تساءل أحد الرجال: «وماذا عن الرائحة؟»، ابتسم المسنّ وقال: «تعال وشاهد، هي قطعة دهن صغيرة عالقة بزاوية في سقف الحاوية، كلما لامستها النار أحدثت كل هذا الدخان وهذه الرائحة، فقط هي قطعة دهن يا سادة. فقط قطعة دهن!».
- التباس
- التعليقات
