إعتقد كبير المستشارين أنه، أخيرا، وجد حلا لمعضلة الزعيم، بعد أن صار متوترا باستمرار وعصبيا طول الوقت، حيث اختفت البسمة العريضة عن شفتيه، ومات في نفسه الولع بالطرب والمرح والفكاهة والخدود الحسان، وحل محلهم توجس مقيم وخشية دائمة من الجميع، حتى من أقرب المقربين الى قلبه، إذ صار يغلق عليه أبواب ودهاليز جناحه، ولايسمح لأحد بالإقتراب منه، تحت أي عذر، حتى ولو كان العدو على عتبة العاصمة، وماعادت كل نكات الأرض ولامستملحاتها أو طرائفها ولاحتى مهرجوها الفكاهيون، بقادرين على انتزاع مايشبه الإبتسامة من شفتيه، وكذلك ما استطاعت كل فروض الطاعة والولاء بعثَ وميض ثقة في نفسه من جديد. لهذا خطرت في بال كبير المستشارين، بعد أن جرب كل مايمكن تجريبه ولم يفلح، فكرة أن يطفأ، هم الأقربون إليه، سجائرهم في جلودهم، دون أن يبدوا ألما، وأي واحد منهم صرخ: أيْ، أعتبِر خائنا، وحوكم على الفور ! وبعد أن اقترحها عليه، ولقيت إستحسانا من جنابه، سارع فورا الى تنزيلها على أرض الواقع، وحدد لها جداول زمنية مضبوطة.. لكن الأمر لم يدم طويلا، رغم ما بدا على الزعيم من بشائر عودة الإبتسامة الى ثغره، إذ سرعان مانكص الى عبوسه وتوجسه ووساوسه، وعاد يصرخ فيهم غاضبا، قبل أن يتركهم ويغلق عليه الأبواب:
– مستحيل أن لايقول واحد فيكم، على الاقل: أيْ..مستحيل أن لايكون واحد بينكم، على الأقل، خائنا..مستحيل، مستحيل، مستحيل…!
ثم تفتقت عبقرية كبير المستشارين عن حل ٱخر، إذ اقترح أن يطفؤوا الجمر في جلودهم، وليس السجائر فحسب، وكل من قال: أيْ، خائن..! لكن الزعيم سرعان ماعاد الى صراخه السابق:
– مستحيل، مستحيل، مستحيل..!
لما رٱهم يضعون الجمر على جلودهم، ولايقول ولو واحد منهم: أيْ. فاقترح، هذه المرة، على كبير مستشاريه أن تنظم، على هامش الأعياد الوطنية والدينية التي لايخلو منها شهر، مسابقة لإلقاء الناس أنفسهم في النار، كي يحترقوا، ودون أن يصرخوا من الألم، وكل من صرخ خائن يذهب مباشرة من نار الدنيا الى نار الٱخرة. فتلقفها كبير المستشارين من فمه المبجل، وقبل أن تبرد، وأضاف إليها إقتراحا بمنح مكافأة مالية كبيرة لعائلة الشخص الذي يحترق ولايقول: أيْ، لتشجيع الناس على الأمر ! فلم يمانع الزعيم، بل بارك الإقتراح، وأصدر تعليماته لتنزيله فورا، ودون إبطاء..لهذا صدحت وسائل الإعلام بالبشرى العظيمة التي مَنَّ بها لسان الزعيم العظيم..فبدأت العوائل تتسابق لتسجيل مرشحيها، حاثة إياهم على الصبر وعدم الصراخ لحظة الإحتراق، لأن المبلغ كبير ويستحق أن يخرس المرء لأجله، حتى وهو بين ألسنة اللهب !
- الثقة
- التعليقات
