تلاحقها نظراتهُ الخجلة كأنّّهُ يريدُ أن يوصلَ إليها رسالة من أعماق الحزن الذي يلفّلها منذ خمس سنين مضتْ .يجلسُ أمام َدارها يمنعُ الآخرين من التقرب إليها .أخذتْ تلاطفهُ ومضتْ رموشُها تبعثُ السّحرَ الحلال : تسمّر الرّجلُ في مكانهِ وضحكَ شيبه بعدَ رحلةٍ مضنيةٍ قطع خلالها آلاف السنيين الضوئية ووطأت قدماه كواكب كثيرة. أقنعته بالزّواج منها على الرغم من فارق العمر بينهما ؛لأنّها تبحثُ عن أمانٍ في غابةٍ يؤكلُ فيها الضأنُ نهاراً وبأمرٍ من ملكها.أصبحَ جداراً يصدُّ عنها سهاماً تريدُ الفتكَ بها إلا إنّه شرط ألا مساس … في ليلةٍ شتائيةٍ باردة،اختبأ فيها القمرُ خلفَ غيومٍ منزعجة والليل البهيمُ بدا وكأنّه ساحرٌ يرسلُ جنودَهُ العماليق : ليسرقوا أمانَ الفقراء ، مع صيحات السّماء وبرقها ،داخلها خوفٌ عظيم؛ حملتْ أطفالها كما تحملُ القطة أبناءها وجاءتْ بهم إلى غرفتهِ وانسلت هي في فراشه تبحثُ عن أمانها المفقود.أحسّ بدفءٍ عجيب ،كأنّه دفءُ أمّه التي فارقها وهو طفلٌ صغير.تصوّرَ نفسَهُ في حلمٍ جميل وأنَّ الأحلامَ قد عادتْ تراودهُ من جديد بعدما فارقته منذُ آلاف السنيين.احتضنَ الدفءَ وراحَ يضمّه إلى صدرهِ…. في الصباح ، أيقظتهُ بقبلةٍ خجلة ؛فانتبه مذعوراً ليجدَ نورَ وجهها الملائكي يغمره بلطافةٍ عجيبة.بادرتهُ قائلةً: حبيبي حمّامك جاهز.تصوّر نفسَه في حلم؛ أرادَ أن يعودَ إلى النوم ، فطبعتْ قبلة أخرى على خدّهِ. دون أن ينبسَ ببنت شفه قام من فراشهِ … في اليوم التالي كانت تنتظرهُ بأبهى زينتها وتعطّرتْ له وكأنّها تنتظرُ عريسها لأول مرّة ، طال انتظارُها ولمْ يعدْ … بعد ثلاثة أيام عادَ حاملاً معه أكياس الطعام ، لم يتكلمْ معها ودخلَ إلى غرفتهِ ،أسبغَ وضوءَهُ وقامَ يصلي ، كانت تنظرُ إليه وهي مندهشة مما ترى منه. غالبها النُّعاس ؛خرجت. في الرّّبع الأخير من الليل دخلَ إلى غرفتها أخذَ يطيلُ النّظَرَ إليها ،فكّر بإيقاظها إلا أنّه تراجعَ عمّا يفكرُ فيه ، أشفقَ عليها ، خرجَ وأغلق عليها الباب. في الصباح وجدتْ بعض الفراشات قد تجمدنَ من شدّةِ البرد وثمة متسول يرتدي أسمالاً بالية ينامُ عند باب دارها…