تزعق أغاني قاعة الأفراح الصاخبة والموسيقى المدوِّية فتدقُّ أحشاءها بقوة لترتج معها في ألم مُبرِّح ضاغطة أعصابها المضطربة فتئن في توتر جريح مضنٍ. تعاني كثيرًا حتى تُسكن البسمة الصفراء على شفتيها المرتعشتين وسط ملامح وجه متحجرة شاردة في بلاهة حزينة فتسقط منهما مرارًا لتلتقطها خلسة وتلصقها بهما ثانية في خجل عفوي. ما أصعب رياح الفرح حين تمرُّ على بحار المرارة فتتشبع ببخارها قبل أن تسقط أمطارها اللاذعة مبللة شفاه شقَّقها الحزن وتريد في اشتياق أن تتذوق طعم الفرح.
جلست وزوجها-الذي ينافسها في حالة التأرجح التي لا تُحسد عليها-على مقعدين متأخرين في مكان خجول خافت الإضاءة في نهاية قاعة الأفراح الكبرى، تحاول جاهدة أن تتصنع الفرحة وهي ترد بإيماءة خرساء على تهنئات تراها ولا تسمعها من المدعوين المتأنقين المارين بهما. نظراتها حيرى ما بين الأرض والفتيان والفتيات الذين يتراقصونَ على وقع أغانيهم الشبابية الساخنة أمام (كوشة) ابنتها العروس الفاتنة وعريسها الوسيم.
الصِّراعات تحتدم داخلها رغمًا عنها فتُطحن بين شقي الرَّحى المتناقضين سعادة وحزنًا، تحاول أن تخمد النيران المُسنة المزمنة المتأججة في أعماقها دون هوادة والتي تلتهم فرحتها الآنية الواجبة فتشعل آلام ونزف الجرح الدامي لطعنة الزمن التي شقَّت قلبها المكلوم دون رحمة فتعجز دقات الفرح عن تضميده.
ارتعشت أطرافها وخلجات وجهها المُعاني، شبكت أصابع يديها معًا وراحت تضغطها بقوة لتداري اضطرابًا يقهرها، وقفت وأخذت تمشي جيئة وذهابًا في نهاية القاعة ضاربة الأرض بكعبي حذائها لتنقل إليها بعضًا من السعير الذي يشويها، رشفت بعض قطرات من الماء لُتبَرِّد جوفها المشتعل دون جدوى. زادت من وتيرة خطواتها المضطربة، دعكت خديها وجبهتها براحتي يديها ففشلت في أن تطرد ارتعاشة تملكتهم.
خرست الموسيقى فجأة وانتفض المدعوون مذعورين وتوجهت أنظارهم دون إرادتهم نحو ذلك المكان الخافت الإضاءة في نهاية القاعة على صرخات الأم وصوت لطم وجهها القوي بكفيها في جنون أبكى الجميع وهي تصيح بلوثة: “لا … لا يمكن أن تتزوج الصغيرة قبل الكبيرة” … فتذكروا في أسى فلذَّة كبدها الكبرى التي أاخْتُطِفَت منذ خمسة عشر عامًا.
- الجرح
- التعليقات


