يعتقد أن للحرب أضراس تماسيح .. تبكي ضحاياها بعيون أصلف من أن تبكي أحدا مهما كان .. عندما كان صغيرا في الثمانينات يسمعهم يتحدثون عنها ..
_ الحرب الضروس……
_ من لها أضراس قوية كهذه لماذا تقتل الناس ولا تأكلهم ؟
عندما جاءوا بفلان محمولا ً في صندوق خشبي مغطى بقطعة قماش ملونة بأربعة ألوان , كالتي يرفعها يوم الخميس في المدرسة كان مصابا برأسه .. وفلان جاءوا به محترق .. هل شوته الحرب لتأكله ؟ لكنها لم تأكله .. ربما شبعت .. لماذا تقطع هذا وتشوي ذاك ؟ إن كانت لا تريد أن تأكلهم !!! لا يسال أحدا .. أهله يدللونه ويعتبرونه ذكيا .. لما يتمتع به من لباقة في الكلام , وفي تقليد بعض الكبار بسخرية .. كيف يسال عن أضراس الحرب ؟!
بعد حرب النسور المعدنية , أيقن أن الحرب تختلف تماما عما كان يتصور .. فقد أصحبت تلتهم البنايات , الجسور, الكراسي .. إنها اكبر من التماسيح والديناصورات .. بحث في ذاكرته عن شيء كبير بحجمها فلم يجد ما يقرنه بها ..
_ الإسفلت يجري إلى الخلف سريعا ً والسيارة تتقدم إلى الأمام ..
جال كل هذا بخاطره وهو يجلس في الكرسي الأمامي .. فوق ظهر الباص الصغير شقيقه يرقد مؤقتا في صندوق خشبي ملفوف ببطانية هذه المرة .. لم يعد طالبا في المدرسة ليرفع البطانية يوم الخميس , كما كان يفعل في صباه ..
كان يقاتل كل يوم خميس من اجل رفع قطعة القماش ذات الأربعة ألوان .. يتصور انه يرفع والده , الذي رآه آخر مرة في حياته ملفوفا بها .. يقف خاشعا أمامه .. يؤدي له التحية بكل إجلال وإكبار .. يراه يرفرف عاليا في ساحة المدرسة .. المعلمين وزملاءه التلاميذ يقرؤون له النشيد .
تعجب من نفسه عندما رآه قبل فترة ينتزعه القادمون من الجانب الثاني للكرة الأرضية .. يرمونه على الأرض كأي خرقة بالية , انتهى مفعولها وهو فرح بذلك .. شعر بالخلاص وتنشق نسيم الحرية ؟ غير مبال بما يستنشقه من دخان يتصاعد من حوله ..
_ لماذا أكلت الحرب محمد ؟
الم تشبع ؟ قالوا إنها وضعت أوزارها . لابد أنها تلبس إزارا ً مثل (أم مطشر) , حتى ماتت . يذهب للمدرسة ويعود , وهي كذلك .. يخرج عصرا للملعب وهي كذلك .. لم يرها قط بغير إزار .. يخيل إليه أنها تنام بنفس الملابس .. ربما لا يتسنى لها الوقت الكافي لتبديل ملابسها .
_ الحرب لا تنام .. لا تشبع .. تأكل فقط ..
محمد أفلت من الضروس خمس مرات .. سقط من فمها كما يسقط فتات الطعام من فم خالي من الأسنان , وذلك بإصابات مختلفة لازالت أثارها على بدنه . أكلت في واحدة منها رجله اليمنى , وأكلت معها الابتسامة العريضة التي ترتسم على محياه الندي .. هل كانت الماضية ارحم ؟ عادت إليه ابتسامته بعد أن رزق بطفل نسخة طبق الأصل عنه , أنساه هموم الدنيا وما فيها .. أما هذه فقد أكلت وجهه .. صادرت ابتسامته إلى الأبد ..
_ الحرب لا تبتسم , تكشر عن أنيابها فقط ..
لا تحب المبتسمين .. تأكلهم بكل ما أوتيت من وحشية .. الضروس أكلت ( عذيب ) الذي لم يعرف وجهه العبوس معنى للابتسام !! الحرب لا تشبع .. تأكل كل ما يقع في طريقها .. بهيمة ترعى ما تقع عليه عيناها ..
وزعت الحروب جسده .. ما تبقى منه مسجى الآن بصندوق خشبي . يرتدي آخر ملبس يمكن أن يلبسه .. خرقة بيضاء .. لكنه متوجه هذه المرة نحو الله , لا نحو بيته فقط .. لن يعود ليهنئه الأصدقاء , كما حصل في العام الماضي ..
__ إيه يا محمد …
في كل مرحلة من حياتك لك لقب جديد .. فارس الصف , المهندس , المعوق , ألحجي , الـ……ـجنازة .. ذهبت أسمائك وألقابك وأملاكك .. أكلتها ( المؤزرة ) .. وأطلقت عليك آخر الألقاب .
بعد فتره وجيزة من فرحه برمي والده الذي بدا انه أصبح اكسباير .. خاطر بحياته في تظاهره ضد تغييره .. يريدون رفع النجوم الثلاث من على متنه .. يحولونه من نقيب إلى جندي , من الزمن المنحل .. لا يتبقى من مميزاته سوى الكلمتين اللتين كتبتا عليه أبان حرب النسور المعدنية الأولى ..
_ ألا توجد نجوم غير نجومه لتبتلعها الحرب ؟
بنوا جميع النفوس والبنايات المهدمة ؟ أصلحوا الخراب ؟ لم يبق إلا قطعة القماش كي يطالها التغيير !!
ينزع لثامه أثناء جلوسه في مقعد الباص الأمامي .. يفكر انه أصبح لا يحترم نفسه كثيرا . كيف يربط ذكرى والده بخرقه تتبدل كالحرباء ؟ في كل عهد لها شكل ولون جديد .. الحرب والحرباء كلمتان متشابهتان .. عندما يعود للبيت سيبحث في كتاب المنجد , لينجده في التعرف على مدى التشابه بينهما .. القواسم المشتركة كثيرة ..
_ أيهما يسير, والآخر متوقف ؟ الإسفلت أم السيارة .. نحن أم الزمن ؟
سيتوقفان سويا .. السائق يسرع نحو الإبريق .. الآخرون يتوجهون كل حسب قوة الضغط الداخلية التي تضغط عليه , كي يدفع الم جوع أو عطش .. مشهد تكرر عليه سابقا كفلم معاد .. لكن محمد لن ينزل هذه المرة من السيارة .. مازال نائما ؟! ينام كثيرا أثناء السفر .. جوابه التقليدي :
_ النوم الكثير من صفات الأسود ..
ربما أصيبت رجله الوحيدة بالخدر .. سيشتري له علبة سجائر , يعرف النوع الذي يدخنه .. ليس سجائره فقط بل كل ما يحب ويكره ..
عدة دكاكين متجاورة على الشارع العام لا توجد فيها ضالته .. دكاكين أخرى تبعد بضعة أمتار قرب محطة الوقود .. دون جدوى .. يرأف بحاله أحد عمال محطة توزيع الوقود .. يعطيه علبة سجائر من نفس النوعية التي يبحث عنها ..
__ تأخرنا .. يجب أن ندفن ونعود قبل حلول الظلام ..
__ ( …….. )
علبة السجائر في المرآة الجانبية تسير إلى الخلف مع الإسفلت . لم يعد محمد قادرا على التدخين بعد الآن ..
خطوط بيضاء متقطعة في المنتصف بدأت تظهر تسير إلى الخلف أيضا عند مدخل المدينة التي تلتقي فيها الجثث ..
_ ما دامت الحرب مستمرة فالجميع جثث .. دفن بعضها والبعض الآخر ينتظر , ولن تبدل تبديلا ..
أوقف السيارة التي تقله وطابور السيارات الأخرى صوت نعيق الحرب .. الجميع يهرعون بغير شعور .. أراد للوهلة الأولى أن يحمل محمد معه , لكنه لا يستطيع حمل التابوت لوحده .. يعدل عن الفكرة .. مكان نعيق الحرب أرض مملوءة بقطع غيار بشرية ..
_ الحرب درداء , ليس لها أسنان ..
_ تلتهم عند الأكل التهاما .. لا تحتاج أن تلوك ما تأكله ..
ليلة كتبت هذه القصة , نمت في وقت متأخر من الليل .. رأيت في المنام شقيقي الذي يسكن الطرف الثاني من الكرة الأرضية بعيدا عن الحرب , وقد مات ..
كنت جالسا في نفس الباص .. أبكي بغير صوت .. أصيح بأعلى صوتي نادبا .. ولا أسمع صوتي أبدا ً, أحاول الصياح بصوت أكبر .. أبكي بغير دموع .. أتوسل دموعي للنزول علها تطفئ النار المشتعلة بقلبي ..
_ لا أحد يسمع صياح ضحايا الحروب , أو يرى دموعهم ..
بمجرد استيقاظي من النوم اتصلت به وتأكدت من سلامته .. قررت إنهاء الحرب على الورق .. ذلك أضعف الإيمان ..
